المتابعون

الخميس، 9 مايو، 2013

ماكفرلين و -شحم ألبل- وبينهما طازج!


حفلت بعض وسائل الإعلام الأمريكية ومنها (صحيفة الواشنطن بوست وقناة السي أن أن ووكالة الأسوشيتد برس) الأسبوع الماضي بخبر تعده من العيار الثقيل، بدليل تدويره في بعض وسائل الإعلام العالمية. كان ذلك عن مداهمة ضباط من مكتب التحقيقات الفيدرالية (الأف بي آي) لمسكن السيد روبرت ماكفرلين الكائن في بناية "ووترغيت" الشهيرة في قلب العاصمة الأمريكية واشنطن دي سي. وذلك للبحث عن أدلة مادية تثبت ما توصلوا له قبلاً عن احتمال تورطه في (عمل مشبوه) بحسب وصفهم، إنه ذي صلة بنظام العصبة الحاكم في الخرطوم. وبالفعل أسفر البحث عن حصولهم على ما عضد اتهامهم، ومن بين الأدلة كان هناك عقد موقع بين ماكفرلين والسلطات القطرية الراعية للمفاوضات الدارفورية بمبلغ 1.3 (مليون وثلاثمائة ألف دولار) وقعته الأخيرة نيابة عن الحكومة السودانية من باب التمويه، في حين قيل إن الصفقة في حد ذاتها تنم عما اشتهرت به العصبة من (غسل أموال) الباطل، إلى جانب أن ماكفرلين جاء بشيء أداً في القانون الأمريكي وهو الاتصال بحكومة متهمة برعاية الإرهاب، وتلك جريرة كما تعلمون ظلت تتمتع بها العصبة منذ أوائل تسعينيات القرن الماضي ولم تستطع الفكاك من براثنها رغم أنها قدمت (للسادة الأمريكان) من آيات الولاء والطاعة في الخفاء، ما عجز الجن عن تقديمه لسيدنا سليمان!
تناقلت كثير من وسائل الإعلام العالمية الخبر وعلى إثر سريانه في الأسافير والمواقع الالكترونية اتصل بي العديد من الأصدقاء والزملاء والقراء، بعضهم عبّر عن سعادته بحسب أن مكتب التحقيقات الأمريكية منح كتابي الأخير (الخندق/أسرار دولة الفساد والاستبداد في السودان) مصداقية للوثائق التي ضمها بين دفتيه كدليل على الفساد والاستبداد في دولة العصبة، ومن بينها وثائق القصة المشار إليها بحذفارها. وبرغم سعادتي بالسبق الإعلامي الذي تقاصرت عنه في حينها أو تباطأت دونه الأجهزة الأمنية الأمريكية بكل ما أوتيت من إمكانات ضخمة لا تخفى على الناظرين، إلا أنني لم أذهب في ذات الاتجاه الذي ذهبوا إليه في التقريظ، ذلك لأنني لم أضع مصداقيتي أصلاً في كف عفريت حتى تأتي (الأف بي آي) لتمنحني صكاً في البراءة. ذلك ما لم أنتظره منها أو من أية جهة أخرى غير الذين ظللت أوجه لهم رسالتي وتعاقدت معهم بشرط واحد غير مكتوب.. أن يتفاعلوا مع ما يقرأون وأن أنفعل بما يشعرون!
واقع الأمر لم يكن ما حدث مصدر مفاجأة لي، بدليل ما جاء في خاتمة الفصل الخاص بهذه القضية في الكتاب (ص 268) والذي صدر في يناير 2012م أي قبل أكثر من عام (مضى روبرت كابيللي في طريق العدالة الأمريكيَّة التي لا يُظلم عندها أحد من رعاياها، ولا تنحاز لأحد بسبب وضعه الوظيفي أو الاجتماعي أو الاقتصادي، فالكل سواسية أمام القانون وبحسب الدستور الذي وضعه ”الآباء المؤسسون“Founding Fathers كما يُسمَّون في الثقافة الأمريكيَّة. يبقى القول إن كانت قضية ماكفرلين قد خلقت ضجَّة حينما أطلت، ولم تمض لنهايتها المنطقيَّة لأنها غابت فيها الدلائل والبراهين، وهو ما نجحنا في توفيره بتواضع، وقد أصبح مبذولاً للقرَّاء الكرام ومن يرغب من أهل الشأن. تبعاً لهذا، يمكن القول بإمكانية وضع الموضوع في دائرة الضوء مجدداً، بإعادة فتح ملفاته المفخخة في الدوائر العدليَّة الأمريكيَّة. وهو أمر إن حدث أو لم يحدث فلا نظن أنه سيعنينا كثيرأ أو قليلاً. اللهُمَّ إلاَّ إن رَشَحَت تداعياته على القضيَّة السُّودانية. فما بالك يا عزيزي القارئ لو أن هذا التداعي نتجت عنه تسوية شكليَّة لقضيَّة حيويَّة كقضيَّة دارفور؟! حيث تصعُبُ المقارنة من الناحية الأخلاقيَّة. ففي هذه القضيَّة دفع كثير من الأبرياء ضريبة قاسية، وصلت حد إزهاق الأرواح، علاوةً عن النزوح الذي لم يتوقف يوماً، فضلاً عن حياة الذُلِّ والمهانة في المعسكرات، وما خفي كان أسوأ. من هذا المنطلق، ما الذي يمكن أن يتوقعه المرء لو أنَّ المعنيين عَمَدوا إلى فتح ملفات هذه القضيَّة مجدَّداً، وفي ظهرها كل هذه الحمولة الإنسانيَّة؟!) انتهى الاقتباس ولعل القارىء يلتمس فيه إيماننا بحتمية وصول القضية لنهايتها المنطقية طال الزمن أو قصر!
يجدر بنا القول إنه ليس ثابتاً لدينا ما إذا كان مكتب التحقيقات الفيدرالية قد اعتمد في مسألة تورط ماكفرلين وحيثياتها - ومنها العقد المبرم بينه والسلطات القطرية - على المنشور في الكتاب، أو أنه أي مكتب التحقيقات الفيدرالية وصلته ذات المعلومات من المصدر الذي سربها لنا (وهو بالمناسبة من جهابذة العصبة ذوي البأس نفسها كما سبق ووضحنا في الكتاب) أو أن المكتب توصل لها بطريق آخر غير الذي سلكناه. لكن الذي نعلمه أن الكتاب ومادته أصبح أحد أدلة المحكمة الجنائية في لاهاى. وسواءٌ بهذا أو ذاك فإن القضية اتخذت الآن مجرى آخر، والذين يتابعون مثل هذه القضايا يعلمون أن الحجر الذي ألقى في بركتها الآسنة، سوف تتسع دوائره وستنداح ولربما ابتلعت في جوفها أناس كثيرين المرئيين وما هم خلف حجاب!
لابد أن القراء الذين لم يتابعوا الموضوع من قبل، يتساءلون الآن عمن من هو ماكفرلين؟ ونجيب بحسب ما جاء في الكتاب ص253 هو (أحد المستشارين البارزين للأمن القومي الأمريكي، حيث شغل هذا المنصب في العام 1983-1985 وله بصمات واضحة في السياسة الخارجية الأمريكيَّة في إدارة الرئيس الأسبق رونالد ريغان، لكن اسمه ارتبط بقضيَّة كبرى ظللتها فضيحة ملأت ريحها الآفاق، تلك هي فضيحة ”إيران كونترا“، وقد أدين في عام 1988 بتُهم تتعلق بحجب معلومات عن الكونجرس، كذلك أدين بتورط القوات الأمريكية (المارينز) في دخولها لبنان عبر شواطئه وما ترتب عن ذلك في تفجير السفارة الأمريكية في بيروت والذي راح ضحيته 63 أمريكياً وتفجير مقر المارينيز في بيروت أيضاً وراح ضحيته 241 أمريكياً. لكنه حصل لاحقاً على عفو من الرئيس جورج بوش، ثم عمل مستشاراً في العام 2008 للمرشَّح الرئاسي الجمهوري جون ماكين عن ولاية أريزونا. ولاحقاً أسَّس مجموعة استشارية باسمه).
بهذه الخلفية والإرث الضخم في الخطايا، يأتي السؤال التالي حول كيفية وصول ماكفرلين لقلب العصبة السودانية الحاكمة في الخرطوم؟ جاء ذلك عبر أحد جلاوزة جهاز أمن واستخبارات صلاح قوش وهو المدعو محمد حسان بابكر شحم ألبل، وهو المشار إليه في عنوان المقال. فوفقاً للمعلومات المنشورة في الكتاب ص 151 (نحن لا نعرفه، كما أنه ليس بذات الشُهرة التي يمكن القول أن الكثيرين يعرفونه. لأنه ببساطة يعمل في الكواليس كرجل أمن، وبالتالي لا يُعتقد أن من يعرفونه يتعدون دائرة أهله وأصدقائه وزُملائه في العمل، أو من عرفه هنا وهناك. لكن هذا لا يُنقِصُ من أهميته في القضيَّة التي نحن بصددها. فهو على العكس تماماً، يعتبر شخصاً مهماً بين عُصبته الأمنيَّة كما أشرنا. سردنا سيرته الذاتية من واقع ما خطه شخصياً بيده، وإن كانت لا تخلو من مبالغة رغم أن تلك شيمة من شيم أهل الأمن عموماً. ربما أوردها بتلك الصورة لكي يُقنع رئيسه بحُسن سيرته ونقاء سريرته، والقاعدة تقول إن رجال الأمن الخدَّامون في الأنظمة الشموليَّة، كذبة إلاَّ من رحم ربي. ذلك بالطبع وفقاً للمنطق الذي يتسق مع طبيعة النظام، حيث يُصبحُ الكذب مثل الملح في الطعام، لا تستقيم معه سيرة أو يتوافق معه حدث إلا إذا كان مُبهَّراً ببُهار الكذب، ومطلياً بغلاف الرِّياء، ومتدثراً بلحاف النفاق)!
خلاصة أن شحم ألبل هو عراب القضية التي نحن بصددها، ثم مضى الكتاب في تفصيل سيرته الذاتية ولا نريد أن نشغل بها القارىء، ولكن تكفي الإشارة فقط لما سألني عنه الكثيرون وهو (شحم ألبل) ما إذا كان اسماً أو لقباً، والواقع أنني لا أعرف ما إذا كانت هذه أو تلك ولكن كلمة ”الِبِلْ“ هي دارجة سودانية ومعناه الفصيح الإبل، أي أن التعبير يعني شحم الإبل، ووفقاً لما علمنا هو لقب الشيخ محمود ود زايد زعيم قبيلة الضباينة، الذي عُرف بشجاعته وكرمه فيما عرف بـ (قدح ود زايد) وكذا مناهضته المهدية، والخليفة عبدالله التعايشي تحديداً. وتعيش القبيلة في أرض البطانة، وغير معروف لدينا إن كان للمقدم حسَّان صِلة بكل هذا، أم أنه تشابُه في الألقاب، وهو على كلٍ ليس بذي بالٍ في سياق ما نحن بصدده، فصاحب اللقب الأصلي كريم في ما يفتخر به الناس، أما الموصوف به فكريم فيما ينفر منه الناس!
لرجال الأمن دهاليز مظلمة، لهذا فبين الشاطر ماكفرلين والمشطور شحم ألبل ينطرح السؤال التالي عمن هو الطازج الذي بينهما؟ فالطازج قد يكون القضية التي ذكرناها، ولكن اسمحوا لي أن أضيف لها نكهةً يستطعمها القراء. ففي بحثها الدؤوب عن الانفلات من المقصلة الأمريكية (على عكس ما دنا عذابها كما يقولون) وفي سبيل إيمانهم بأن 99% من أوراق الحلول بيد (السادة الأمريكان كما أنشدوا) توصلت العصبة التي يمثلها شحم ألبل للخيط الذي يدلها على ماكفرلين. كان ذلك وسيط اسمه البينو أبوج وهو أمريكي من أصول سودانية يومذاك، وجنوب سودانية بعد الانفصال الآن. ولألبينو هذا تفاصيل وردت في الكتاب نعجز عن اختصارها. المهم في الأمر أن ماكفرلين نفسه شرع في الاتصال بشخصيات أمريكية متنفذة للعمل معه كقوى ضاغطة (لوبي) لتحسين صورة النظام السوداني القذرة، منهم من كان يتولى مهاماً جساماً كإسكوت غرايشين المبعوث الرئاسي السابق وجيمس جونز مستشار الأمن القومي السابق، كما حاول استمالة آخرين منهم جون دانفورث وروبرت أوكيلي المبعوث الرئاسي الأسبق في الصومال وآخرين، وبالطبع كان المال هو أداة التسهيل التي تذيب صلد الحديد. وفي هذا الشأن هناك كثير من التفاصيل يمكن استقاؤها من الكتاب حتى لا نكرر تدوير معلوماته!
ليس من باب الترويج للكتاب الذي نعد بالفعل طبعته الرابعة رغم أنف العصبة التي حظرت دخوله السودان. إذ إنه يحتوي على ما هو أنكى مع شخصيات أمريكية نافذة، مثل قصة القس جون دانفورث وصفقة السكر الذي أصبح علقماً في حلوقنا، فدانفورث هو الذي عمّد الواقع الذين نحن فيه منفصلون الآن. واقع الأمر سواء هذه أو تلك فالقضايا متجه نحو مزيد من التعرية وتسليط الأضواء ولو بعد حين. ولهذا ليس بعيداً أن تصبح إحدى قضايا الرأي العام بشيء من الإثارة المعروفة في الأوساط السياسية والإعلامية الأمريكية، نظراً للموقع الذي كان يحتله رويرت ماكفرلين والخطوط الحمراء التي عبرها، والتي تعتبر الدوائر الرسمية أن فيها مساساً بالأمن القومي الأمريكي. ومن عجبٍ كان ماكفرلين أحد حراسه بالأمس وأصبح أحد مهدديه اليوم!
لعل الذين قرأوا الكتاب يعلمون أن أكثر من نصف فضائحه ووثائقه الدامغة هي عبارة عن قضايا جنائية متصلة بالمحيط الإقليمي والدولي، والقليل منها وبخاصة قضايا الفساد متصل بموضوعات محلية سودانية، وإن كانت الأخيرة قد دأب البعض على تناولها بطريقة (عفا الله عما سلف) وفق ما هو معروف في المنهج السلبي السوداني، فإن الأولى ذات الأبعاد الخارجية ليست فيها دية أو كفارة. وبالأخص تلك القضايا المتصلة بالشئون الأمريكية، وما على القارىء المهتم سوى أن يصغي السمع لما هو قادم فقد تأتيه الأخبار بمن لم نزود!
آخر الكلام: لابد من الديمقراطية وإن طال السفر!!