المتابعون

الخميس، 1 ديسمبر، 2011

في وداع آخر الأنبياء السياسيين!


غيّب الموت الأسبوع الماضي الأستاذ التيجاني الطيب بابكر، وذلك عن عمر ناهز الخامسة والثمانين عاماً. سخَّر منها أكثر من ستين عاماً لحياة حافلة بالعطاء والتجرد ونكران الذات. وهي القيَم النبيلة التي لازمته حتى آخر لحظة قبيل أن تصعد روحه لبارئها. كان التيجاني قد نال نصيبه من الاعتقالات في سجون الأنظمة الديكتاتورية الثلاث التي تسلطت على رقاب الشعب السوداني. والذي قد لا يُدهش الذين يعرفونه عن كثب، أن السنوات التي قضاها في المعتقلات والاختفاء القسري، إلى جانب المنفى الاختياري في القاهرة التي جاءها هارباً في العام 1991م على ظهر جمل، قبل أن يعود للسودان مجدداً في العام 2005م قد غطت أكثر من نصف عمره السياسي. والمفارقة أن القاهرة تلك قد شهدت أول اعتقال له في سجن (الهايكتسيب) في مايو من العام 1948م وكان حينذاك يشغل موقع سكرتير اتحاد الطلبة السودانيين. ورافقه في السجن كلاً من عبده دهب، عبد الرحمن الوسيلة، محمد أحمد الرشيد، تيدي جيمس لاركن، والأخير هذا من جنوب السودان وكان يعمل موظفاً مع الإدارة البريطانية في قنال السويس، إلى جانب آخرين بدأوا الارتقاء في مدارج الشيوعية تحت مسماها المعروف بـ "الحركة الديمقراطية للتحرر الوطني" (حدتو) قبل أن تصبح "الحركة السودانية للتحرر الوطني" (حستو) ومن ثمَّ الحزب الشيوعي السوداني. والمفارقة أيضاً أنهم سُجنوا بسبب انحيازهم للقضية الفلسطينية، إذ تزامن ذلك مع الحرب العربية الإسرائيلية الأولى. والمثير في الأمر أن اعتقالهم تخلله إضراب عن الطعام، استمر لأكثر من عشرين يوماً. والتيجاني نفسه كان عمره آنذاك بضعاً وعشرين عاماً!

بمجرد مواراته الثرى هرع الكتاب والصحافيون والسياسيون للتعبير عن مشاعرهم في فقدٍ عظيمٍ. طفقوا يُعددون مآثره، ويُسطرون تاريخاً حافل بالدروس والعبر والمواقف المتميزة. ومن ضمن ما قرأت هزَّني موقف صدَّر به صديقنا الأستاذ أمير بابكر مقاله التأبيني (الأحداث 24/11/2011م) عن التيجاني. بيد أن ذاك الموقف والذي حدث في وقت مبكر من عمره، بل في مقتبل حياته، يمكن القول إنه يتسق تماماً وشخصية الراحل العظيم، بل جسَّد رؤاه وأفكاره ومواقفه السياسية، إلى جانب التزامه الصارم بقضيته وإيمانه الصمدي بوطنه وشعبه والإنسان بصورة عامة حيثما كان. فحياة التيجاني كانت أشبه بملحمة أسطورية، يحق للجيل الحالي والأجيال القادمة أن تلم بها وتتناقلها كأنقى ما تكون السِير وقصص الرواد المخلصين. ولعل مرافعته التي قدمها في محاكمته الشهيرة في نظام نميري، أو ما اصطلحنا على تسميته بالديكتاتورية الثانية، بعد إلقاء القبض عليه في العام 1981م بعد عشر سنوات من الاختفاء الذي حدث عقب ما أسماه الحزب الشيوعي في أدبياته بـ (أسبوع الآلام) في إشارة لموجة الإعدامات التي طالت قادته وعلى رأسهم الشهداء: عبد الخالق محجوب والشفيع أحمد الشيخ وجوزيف قرنق وهاشم العطا وبابكر النور وآخرون. تلك المرافعة تعد من أروع ما قيل في وجه جلاد أينما كان، ولذا لو أننا كنا نرفل في ظل نظام ديمقراطي، لطالبنا بأن تتضمن مناهج التعليم حتى يعلم الخلف كيف يمكن للمرء أن ينذر حياته لوطنه، ويكون على استعداد للتضحية من أجله وبينه وبين الموت بضع خطوات!

كتب أمير في مقاله المشار إليه: (كان والدي مكلفاً بالحفاظ على وترحيل الراحل عبد الخالق محجوب إلى أن يجتاز الحدود إلى مصر للحاق بمؤتمر للأحزاب الشيوعية في موسكو في النصف الأول من الستينيات، في وقت كانت تبحث عنه القوات الأمنية لمنعه من ذلك. تم الاتفاق على اجتيازه الحدود عن طريق البر وبواسطة عربة (لوري) والتنسيق هناك داخل الأراضي المصرية لاستقباله بواسطة آخرين. ظهر الأستاذ التيجاني فجأة في وادي حلفا وهو الرجل الثاني في الحزب الشيوعي السوداني، وكان في طريقه إلى مصر أيضاً في مهمة حزبية، ليجتمع مع عبد الخالق وصاحب العربة (اللوري) وهو عضو في الحزب الشيوعي ووالدي، الذي يعمل في وادي حلفا حينها، في المنزل حيث يختفي عبد الخالق. وكان الاجتماع حيث جلس الأربعة حول طاولة، لمتابعة الترتيبات النهائية لخطة السفر. شرح صاحب (اللوري) الموقف، وقال إن العربة لن تكون جاهزة في الموعد المحدد. كان ذلك يعني عدة أشياء فالذين سيستقبلون عبد الخالق في الجانب المصري لا يعرفون إلا هذا (اللوري) الذي يجب أن يصل في تاريخ ووقت محدد والوصول إلى نقطة محددة سلفاً. أي تغيير سيضطر الجميع إلى وضع ترتيبات جديدة في ظل تلك الظروف المعقدة.

ما أن سمع الراحل عبد الخالق هذا الأمر حتى نهض واقفاً وهو في حالة انفعال وهياج، بسبب الإخفاق في الترتيبات وأمسك بأوراق في الطاولة التي اجتمعوا حولها وقذف بها بشكل عبر عن فقدانه لأعصابه. حدث كل ذلك لمدة ثوانٍ، ليتحدث الأستاذ التيجاني في صرامة إلى عبد الخالق بقوله (إنك لا تصلح أن تكون سكرتيراً للحزب الشيوعي).. وأضاف: (إنني سأقدم تنويراً للجنة المركزية بما بدر منك وأطالبك باعتذار رسمي). فما كان من الزعيم عبد الخالق إلا أن وقف مرة أخرى قائلاً للتيجاني والآخرين: (إذا لم تفعل ذلك لن تكون شيوعياً، وأنا بدوري سأقدم اعتذاري الآن هنا وأمام اجتماع اللجنة المركزية وحتى في الجريدة الرسمية). انتهى الاقتباس في الرواية التي صاغها أمير في سياق مقاله المؤثر.

عرفت التيجاني في منتصف ثمانيات القرن الماضي، عندما زرت السودان للمرة الأولى بعد انتفاضة أبريل 1985م حينها قدمت من الكويت لإجراء حوارات صحافية مع عدد من قادة النشاط السياسي، وبالطبع كان من بينهم الأستاذ محمد إبراهيم نقد، ذلك للألق الذي صاحب اختفائه، ونظراً لتاريخ الحزب التليد في مقاومة ذلك النظام الديكتاتوري يومذاك. قصدت صحيفة الميدان الناطقة باسم الحزب الشيوعي مصحوباً برسالة شفهية من صديقي العزيز الدكتور مصطفى خوجلي. وكانت الصحيفة تقبع في دار متواضعة في شارع صغير متفرع من شارع الحرية. دخلتها حيث بدأت قصتي مع التيجاني، أو ذاك الشخص الصارم القسمات، والذي هالني بأنه يتحدث لزملائه بصوت جهور كأنه في خضم تظاهرة. سألته عن الأستاذ نقد بعد أن قدمت له نفسي، فلم يزحزح ذلك من الأمر شيئاً. جاوبني باختصار يبعث الضيق في النفس (أنتظره هنا يمكن يجي)!

كنت آنذاك طراً غريراً توهمت أن الحزب الشيوعي سيحتفي بي وسيفرش لي بساطاً أحمراً أتبختر فيه كيما أتفق، لكن تضاءلت أوهامي هذه عندما وجدت الحزب نفسه يبحث عن مغيث، صحيفة تقبع في دار متواضعة تتكون من غرفتين ربما ثلاثة بالكاد تسع شاغليها. وزاد من إحباطي أن الرجل الذي قالوا لي إنني سأجد عنه مقصدي، كان صارماً حد العجرفة كأنه يتأهب لمعركة محتملة. غادرت المكان وتوالى حضوري لأصطدم بذات الإجابة المختصرة مرة ومرتين وثلاث. خرجت في الأخيرة وأنا عازم بعدم العودة مرة أخرى. كانت المفاجأة أن التقي مصطفى خوجلي في بوابة الدار، وكان قد قدم للتو من الكويت أيضاً. أبديت له ضيقي وتبرمي فضحك ضحكته الودودة التي تمتص منك الغضب وإن تراكم جبالاً، ثمّ أمسك بيدي ودلفنا للدار مرة أخرى وقدمني للتيجاني، فلم أشعر بأن الأمر تغير في كبير شيء. اختصاراً لتفاصيل كثيرة ليست بذات أهمية، نلت مراميَّ، أما علاقتي بالتيجاني فقد بدأت تأخذ منحىً آخراً عند كل زيارة للوطن في ظل ديمقراطية وارفة أو هكذا نظن! لمست فيها ما خفي عني في شخصه، أو بالأحرى ما لا يمكن معرفته إلا بالاقتراب منه!

بيد أن علاقتي هذه اتّخذت مساراً آخر أكثر حميمة بعد وصوله القاهرة التي سبقتّه إليها بالدوافع نفسها. وفي مشهد لاحق سألته تفصيلاً عن رحلة هروبه تلك والتي وثقت لها وأشياء أخر في كتابي الأخير (سقوط الأقنعة) فلفت نظري بإجاباته المختصرة حول خواطره حولها، فقال لي: إنه لا يعرف عنها شيئاً غير جمال الصحراء، حيث الهدوء يعم المكان، والأرض منبسطة بلا نهاية، لا تسمع فيها سوى أزيز الرياح وهسيس الأبل. ثمّ بعد وصوله القاهرة قيضت لي الظروف أن نلتقي كثيراً. حيث سكنا متجاورين وبيننا صديقنا الودود محمد عبد الماجد، وهو بحكم عضويته في الحزب كان المسؤول عن ترتيب أموره. بدأت يومها تتشكل لي سيرته على نحو آخر بحكم المعايشة، كانت فيها العلاقة بعدئذ أشبه بنبتة صغيرة حرص كلانا على رعايتها بحنو بالغ.. كمن يخشوا أن تذروها ريح صرصر عاتية!

تلك كانت الفترة التي بدأ فيها النشاط السياسي والإعلامي المعارض في التشكل. واتساقاً مع همومه الإعلامية المعروفة، كان التيجاني حريصاً على أن تصدر صحيفة ناطقة بلسان الحال الذي كنا فيه غارقون. ذلك ما تحقق بعدئذ بصحيفة أسبوعية متواضعة يعجز (سيزيف) وصخرته عن حملها، وسميناها السودان وكانت بحجم (التابلويد) وأصبح التيجاني مشرفاً عليها. كنت محظوظاً بل غمرتني السعادة حينما شعرت بأنه كان يرمي إليّ بأعبائه عمداً في متابعتها مع زملاء كرام، وذلك نظراً للمهام السياسية التي تثاقلت عليه، وهو القادم لعاصمة ضخمة بكل ضيائها وضوضائها. فيها التقى التيجاني بعد طول غياب، رفاقاً باعدت بينه ديمقراطية التاريخ وديكتاتورية الجغرافيا، منهم السادة: خالد محي الدين، رفعت السعيد، حسين عبد الرزاق، فريدة وامينة النقاش، عبد العظيم أنيس وآخرون. كان يحدثني عنهم بود وألفة تذيب الصخر العصيا، يومها أدركت وأنا زعيم بحركاته وسكناته أنه أصبح أكثر ألفة ومودة، وفوق كل ذلك أكثر هماً وغماً من مستقبل لا ندري كنهه!

اتساقاً مع نهجه وتصالحه مع نفسه عاش التيجاني زاهداً في شقة متواضعة في القاهرة بمدينة نصر، ولكنها كانت كخلية نحل لا تخلو أبداً من الزائرين. وبحكم الجوار الجغرافي كنت أغشاه كثيراً ويغشاني لماماً بتواضعه الجم، وبين هذا وذاك بيننا الهاتف الذي لا ينقطع. في هذا الصدد لابد من ذكر ما لمسه غيري عنه، لا سيّما، في حياة الزهد والتجرد تلك. كان التيجاني يستغل المواصلات العامة، وكنت كثيراً ما أشعر بالشفقة عليه وهو في عمره السبعيني. والمفارقة أن لا يكتفي بذلك بل يصر على تصدير زهده هذا للآخرين، وبينهم من ليس في حاجة لذلك. مثل نصائحه لزواره حينما يغادرونه إلى وجهة أخرى، فيتبرع لهم بأرقام حافلات مدينة القاهرة التي يمكن أن تقلهم إلى حيث يريدون (طالما أنت ماشي نص البلد، يمكنك أن تستغل 500 أو 500 بِشرَطة من محطة رابعة العدوية القدامنا دي، وإذا إنت ماشي العباسية أحسن حاجة تأخذ 49 أو 18) وهذه هي أرقام مواصلات القاهرة التي كان يحفظها عن ظهر قلب، كمن يحفظ المرء أوراده عقب كل صلاة.. لقد عاش التيجاني في تلك المدينة الباهرة كما عاش أبا ذر في زهده!

في ذات مرة جئته زائراً ووجدت في باب العمارة التي يقطنها نفراً من الحرس الشرطي المصري، الذين أكثروا السؤال عن شخصي وأسباب زيارتي وأشياء من هذا القبيل. وعندما صعدت إليه في الطابق الرابع، قلت له مداعباً: يا أستاذ منتهى الأهميات، يعني بعد كده لازم نجيك بموعد وتفاصيله؟ شعرت أنه لم يبدِ ارتياحاً لملاحظتي الودودة، فقلت له الحكاية شنو؟ فقال لي: الأخوة المصريين كتَّر الله خيرهم، قالوا إننا مستهدفون ولذلك وضعوا هذه الحراسة لقيادات التجمع الوطني بعد تواتر أخبار عن اغتيالات محتملة. فقلت له غير آبه بما قال ومواصلاً دعابتي: طيب كويس. فبادرني بالقول: الكويس شنو؟ واستطرد، ده فائض عمالة ساكت. أسه الجماعة ديل مفروض نوفر ليهم إعاشة، ونحن ذاتنا في حاجة لمن يعيشنا. عجبت لمن كان ذلك همه الذي علا على هم اغتياله، وعلمت فيما بعد أن بعض إخوتنا في الكيان نفسه - غفر الله لهم - ممن حباهم الأخوة المصريين بذات المزية، صاروا يدعون معارفهم بإصرار، ليس حباً في طلعتهم البهية، ولكن من أجل أن يروا النعيم الذي فيه يرفلون!

بما أن الشيء بالشيء يذكر فثمة قصة لابد وأن تُروى في السياق نفسه؟ إذ حكى لي قصة مثيرة لا أعتقد أنه حكاها بذات الأريحية لآخرين لا يعلمونها. قال لي: لو صح موضوع الاغتيالات هذه، سترتكب هذه الجماعة خطأ لن ينمحي أبد الدهر. ثمَّ مضى في القصة الشيقة أو الشائقة – سيان - فقال: ذات يوم في الحقبة الديمقراطية الأخيرة، ألقى شباب الحزب القبض على شخص كان يتربص بي ووجدوا بحوزته سكينا (مدية) بُغية اغتيالي. وعندما تمَّ استجوابه، أخبرهم بأنه مكلف من الحزب الغريم أي الجبهة الإسلامية، وسمى لمعتقليه الذين كلفوه بتلك المهمة المقدسة (لكن تيجاني رفض رفضاً بتاتاً أن يذكر لي أسماءهم) وقال لي: من خلال التحقيق اتّضح أن الرجل مأجور مقابل حفنة من المال وُعد بها، فأطلقنا سراحه ولم تصل القضية للأجهزة الشرطية خشية زعزعة النظام الديمقراطي. عند هذا الحد كنت أظن أن القضية انتهت. فباغتني التيجاني بقوله: الأسبوع الماضي قابلت نفس الرجل بعد سنوات، وأنا أتأهب لدخول محطة الميترو في ميدان التحرير! فبُهتُ، وعالجتهُ بسؤال سريع: طيب وحصل شنو؟ فقال لي بطريقته المعهودة في تبسيط الأشياء، حصل شنو، سلمنا على بعض وكل زول مشى في حاله!

من المواقف الطريفة التي استذكرتها، حدث ذات مرة أن زرته في منزله وكان يجلس وحيداً حيث أن زوجه الأخت الفاضلة فتحية كانت في زيارة للسودان. فتح لي باب الشقة بعد فترة طويلة، واعتذر ضاحكاً بأنه كان في الحمام. ثمّ تبع ذلك بتساؤل فلسفي: يا أخي هل من الضروري إنو الزول يحلق ذقنه كل يوم؟ وواصل.. تصوّر أنا وقفت قدام المرآة وخطر ببالي أنني أمارس هذه العادة لأكثر من خمسين سنة دون أن أترك يوماً واحداً، اللهم إلاَّ في ظروف قاهرة. فقلت له مداعباً: غايتو لو ما حلقتها الناس ما حتفرق بينك وبين الجماعة. وقبل أن يجيبني بشيء سردت له حواراً دار بين الصديقين الراحلين: علي عبد القيوم ويونس الدسوقي، وهما من جمعت بينهما علاقة حميمة. إذ قال الثاني للأول: بعد أن شكا من تلك العادة اليومية، إيه رأيك يا علي الواحد لو أطلق لحيته بعد هذا العمر؟  فقال له الثاني بدعابته اللطيفة: يعني حيحصل شنو، غير ما إنك حتَرَيِّل فيها. فضحك الرجل الموسوعة أو عم يونس كما كنا نحب أن نناديه، وقال له: يعني كارل ماركس كان بِرَيِّل فيها. فضحك التيجاني كما لم يضحك من قبل، وسرت بيننا روح الفكاهة!

عندما انتقلت للعاصمة الإريترية أسمرا، قيضت الظروف أيضاً لأعضاء التجمع الوطني الديمقراطي مقراً فصاروا يتوافدون عليها. كان التيجاني حريصاً كلما زارها بتواتر لحضور اجتماعات هيئة القيادة على الاتصال بي بمجرد وصوله، وتوطدت العلاقة بينه وبين زوجتي الفقيدة الراحلة وداد صديق. فكان يلزمها بما يسميه (تعليمات) محددة في مأكله ومشربه، ونقضي بعدئذ وقتاً طيباً. والحديث يطول ولكن ما استذكره دوماً في تلك اللقاءات أن التيجاني كان يعاملني فيه بأريحية كأنني عضو في حزب لم أنتم له أصلاً، وليس بيننا سوى تلك الوشائج الأزلية التي تربط بين الديمقراطيين بصورة عامة. مؤخراً التقيته في السودان ولم أشعر بتغيير في شخصه سوى إحساس مقاتل غير البندقية من الكتف اليمين للكتف اليسار أو العكس. لكن صفوة قولي أنني تعلمت من التيجاني فوق ما ذكرت.. كيف يمكنك أن تخالف الناس في الرأي، بشرط ألا تبغضهم. فهل علمت العُصبة ذوي البأس الدرس كما علمّنا!!



آخر الكلام:
لابد من الديمقراطية وإن طال السفر!