المتابعون

الجمعة، 15 يونيو، 2012

العصبة ذوي البأس وسيناريوهات الرحيل القادم!


كان ذلك في منتصف شهر يوليو من العام الماضي، وكذلك في منتصف نهار يوم قائظ لا ظلّ فيه إلاّ ظل الحقيقة. أما المكان فكان شارع (المك نمر) الذي اكتظ بسيارات مختلف أشكالها وألوانها، تزحف زحفاً وئيداً تارة، وتقف كحمار الشيخ في العقبة تارة أخرى. وكلما أكثرت من التوقف زاد تأفف سائقيها ومن في معيتهم، وتناثرت لعناتهم المجهولة وهم يحدقون في اللا شيء. ثمة قوم آخرون يتحركون في تكاسل واضح جراء الشمس التي ألهبت رؤوسهم ويحاولون درءها بما ملكت أيديهم. شيبٌ وشبابٌ بأعمار متفاوتة، يتحركون كالأشباح بين السيارات، بعضهم يُنادي بصوت مبحوح على بضاعة كاسدة يعرضها بإلحاح شديد على المشترين ترغيباً وترهيباً. ذاك رجل في منتصف عمره يحمل (ثوماً) مغلفاً في أكياس بلاستيكية، يقول بلحنٍ مشروخ إنها تسر الناظرين، وإنه وارد إيران، وبالطبع هو لا يعلم الأسباب التي دفعت بهذا الثوم إلى أرض معركة في غير معترك. وهذا بدأت سيماء الشيخوخة تشق أخاديدها العميقة في وجهه المرهق، لكنه يبدو غير مبالٍ بها بأكثر من مبالاته بـ (حفاظات أطفال) يعرضها للبيع وقد نالت من وقاره غَصَباً. وذاك صبي رغم ثقل ما يحمل من (سجاد صيني) على كتفيه، إلا أن عمره الغض ساعده على الركض برشاقة بين السيارات المتراصة، قد تعجب هنيهةً لمْ هو في عجلة من أمره كأنه يود التخلص من بضاعته بثمن بخس. يا إلهي سوق ضلّ طريقه إلى الشارع، وسلع مختلفة ومتناقضة كسحنات أهل السودان أنفسهم!
أما أنا فقد شاء قدري أن أكون واحداً من حاضري ذلك المشهد الشكسبيري، حشرت نفسي في سيارة تذكرك بالقبر وعذابه من فرط صغرها. ومن شدة الشمس التي ترسل شواظها مددا، باغتتني فكرة أن أحملها على ظهري وأشق بها عباب السيارات ركضاً. لكنني استسلمت وطردت الفكرة المستحيلة من رأسي. إذاً ما الذي يمكن أن يفعله المرء بأكثر من الصبر؟ هكذا شغلت نفسي بأسئلة فلسفية في محاولة للهروب العقيم. يا ترى هل اختص المولى سبحانه وتعالى أهل السودان وحدهم بالصبر على المكاره؟ أم أن في هذا الكون قوم مثلنا ابتلاهم الله بحكام يصنعون المحنة ويطالبون شعوبهم بالصبر عليها؟ لكن لماذا يمضغ الناس في بلادي الصبر كما يمضع السائل والمحروم فقره؟ يقولون لك كلما ضاقت واستحكمت حلقاتها، الصبر مفتاح الفرج.. يُظلمون نهاراً جهاراً في حقوقهم فتخرج عليهم أشباح من الأنس لتحدثهم حديثاً عجباً.. يسألونهم عن المفاضلة بين خسارة الدنيا وخسارة الآخرة؟ إذا قرأوا الصحف الصفراء طالعوا آكلي السحت يصفون للناس كيفية خلط الصبر والصفرجل وحبة البركة وزيت الخروع لنتبوأ بهم مكاناً علياً بين الأمم. وإذا شاهدوا التلفزيون تجمدت أوصالهم من كثرة ما أصابها من وابل الصبر وشئونه، وإذا سمعوا مذياعاً فلن تخطيء آذانهم علماء السوء يذكِّرونهم بالصبر وشجونه!
في خضم تلك الخواطر اللولبية، رأيته من بين الذين يتقافزون بين السيارات. شاب نحيل تكاد تشفق عليه من فرط هزاله، يحمل في يديه بضع زجاجات مياه معدنية. لوّحت له بيدي فتوجه نحوي مستبشراً، وعندما اقترب مني أكثر تفرست في ملامحه.. عينان غائرتان ولا يدري المرء هل هما هكذا من جراء الشمس اللاهبة أم بسبب فقر موروث؟ طلبت منه زجاجة ماء وسألته عن اسمه وأنا لا أدري لماذا..؟ قال لي بطريقة آلية توحي بأنه سئم السؤال ذاته من كثرة تكراره، عبد الرحمن يا أخي، وأردف ظناً منه أنني لم أسمعه.. عبد الرحمن يا أستاذ، قلت له نِعم الاسم يا عبد الرحمن، وزدت مثله بلزوم ما لايلزم، كلنا عبيد للرحمن، ولكننا لسنا عبيد للحكام يا عبد الرحمن، ولا مش كده؟ باغتني كأنه كان ينتظر شيئاً يفرغ فيه شحنة الشمس الحارقة... وقال: والله صدقت يا حاج!
بدا أن عبد الرحمن استهواه حديثي، فطفق يحدثني عن أشياء بدت له وساءته. قال بشيء من الأسى إنه خريج اقتصاد جامعة الخرطوم، وأعقب بسرعة كأنه يود أن يبدد دهشة رسمت معالمها على وجهي، وقال متهكماً: ما فيش حاجة غريبة في البلد دي يا أستاذ.. فأنا أطبق عملياً الاقتصاد الذي درسته نظرياً. ثمّ واصل دون أن ينتظر مني تعليقاً، وأضاف: إنه فعل المستحيل وطرق جميع الأبواب بحثاً عن وظيفة، وبعد ثلاث سنوات من البحث المضني لم يكن ثمة مناص من أن يلجأ للشارع بحثاً عن لقيمات يسد بها رمق أسرة أحاط بها الفقر كما السوار بالمعصم.. هو عائلها الوحيد، وفيها الأب الضرير والأخ الصغير والأخت الغرير والأم التي أقعدها المرض. قطع عليّ عبد الرحمن الصمت الذي ران بيننا، وقال كأنه استمرأ غلياناً بات يمور في صدري ولا يستطيع المرء منه فكاكاً.. طبعاً أنا أعلم بأنك لن تصدقني، فقلت له ما الذي دعاك لتعتقد ذلك وأنا لم أقل لك شيئاً؟ قال نظراتك. هذا ما لا أستطيع المجادلة فيه، لكن الحقيقة أنه كان مخطئاً فقد صدقته بمنطق أن صدقه أو كذبه لن يضيراني شيئاً. دسّ عبد الرحمن يده في جيبه وأخرج ورقة أنهكتها الأيادي من كثرت ما تبادلتها فيما يبدو، كانت تلك شهادته الجامعية، أما أنا فلم أجد غير شهادة لا إله إلا الله أقدمها له ترياقاً لمحنته!
تركني عبد الرحمن غارقاً في بحر من التفكير العميق، ومضى كطفل تاه من والديه في غمرة زحام. لا أدري بعدها كيف تحركت أرتال السيارات؟ وكيف انفض سامر ذلك الزحام؟ وهل الشمس ما زالت ترسل شواظاً من لهب؟ بل كيف وجدت الدار بعد توهمٍ؟ ومثلما تمضي سائر الأشياء في البلد الحزين مضت الأيام بعضها يأخذ بمعاناة بعض، لكن صورة عبد الرحمن ظلت راسخة في ذهني لا تبارحه البتة. وبالرغم من أن حتمية رحيل العصبة ظلّ راسخاً في نفسي زهاء أكثر من عقدين، إلا إنني أصدقكم القول إنني توسمت في عبد الرحمن بشارة ثورة الرحيل، قلت لنفسي إنه من اختصر سفر الخروج من الجحيم بعد أن قرأ علينا نصاً بهياً، حطَّ فيه النقاط على الحروف وأعرب جملة كانت تبحث عن تصريف لسنين عددا. إن قلتم إنه بوعزيزي الثورة السودانية.. صدقتم، وإن قلتم إنه خالد سعيد الثورة القادمة.. صدقتم، أما وأن قلتم إنه أحمد القرشي طه فتكونوا قد صدقتم مرتين!
كلنا يعلم أن الثورات لا تأتي بغتة، ودروس التاريخ وعبره تقول لنا إن الثورات حتى التي كانت بالأمس القريب، هي عبارة عن تراكمات، يمتزج فيها الاستبداد السياسي بالفساد الاقتصادي بالغبن الاجتماعي، والواقع أن العصبة الحاكمة لم تترك سطراً شاغراً في هذه المسلمات إلا وملأته بممارستها النازية والتي أوصلت الأمور إلى عنق الزجاجة. ولأن المريب يكاد أن يقول خذوني فقد شاهدنا وراقبنا كلنا الهلع والجزع والخوف الذي سيطر على وجوههم مع بداية واستمرار سريان ما سُمي بثورات الربيع العربي، عندئذ بدأت السلطة المغتصبة تتحسس مواقعها، وتتحدث عن الشباب كأنها اكتشفت وجودهم لتو. ثم بدأت الوعود الجوفاء تنهال من الأفواه المتضمضة بالأكاذيب. ظهر من يحدثهم عن (خلق) مليون وظيفة، وآخر عن الدعم والرعاية التي يتولاها بالعناية صندوق تشغيل الخريجين، وثالث عن الذهب الذي ذهب بعقولهم، بل لم يجد الرئيس الضرورة حرجاً في نفسه من يقدم لهم الوعود تلو الوعود وهو الكاذب الأكبر!
جفت الأقلام ورفعت الصحف، لسنا بصدد الحديث عن أزمات كتبنا وكتب عنها آخرون حتى كلّ متنهم. الآن بات كل شيء في العراء، فالسلام المزعوم اتّضح أنه محض سراب بقيعة حسبه الإنقاذيون ماء، والخزينة التي شبهها سييء الذكر بمحراب السيدة مريم وسؤال أبيها زكريا، اصبحت خاوية على عروشها، وموارد أهل السودان بددها الفساد وذهب بريحها الاستبداد. أفاقت السلطة الغاصبة من نشوتها الزائفة لتجد نفسها محاصرة بواقع اقتصادي أليم، بيد أن الحقيقة الماثلة أمامنا تؤكد أن الأمور قد وصلت خيار الصفر، وهو الخيار الذي يقول بوضوح إن الشروط الموضوعية للثورة السودانية القادمة أضحت قاب قوسين أو أدنى، ولم يعد في جراب (الحاوي) ما يعينه على ممارسة خدع جديدة!
بيد أننا في هذا المقال نود أن نضع بين أيديكم السيناريو الذي نعتقد حدوثه، والذي يتدرج صعوداً حتى يصل إلى خلاصة اكتمال دائرة الخلاص وصولاً للرحيل الوشيك، وهو سيناريو قد تزيد عليه أيها القاريء الكريم وقد تنقص، ولا أعتقد أن مراقباً حصيفاً يرى الأمور تتدحرج أمامه بهذه الصورة المأسوية ولا يعضد ما اجتهدنا في التنبوء به، بوقائع ما سيحدث في الساعة الخامسة والعشرين!
أولاً: ستقوم السلطة الغاصبة بتحين ظروف تعلن فيها عن ما اسمته بالقرارات الاقتصادية الجديدة. أي رفع الدعم عن المحروقات (لفائدة القاريء الكريم يقول الاقتصاديون إن 70% من تلك المحروقات يستخدمها النظام نفسه. إذاً فرفع الدعم هذا يعني أن الحكومة سترفع الدعم عن نفسها شريطة أن يتحمل المواطن آثاره الكارثية. ومن عجبٍ أن السلطة الغاصبة من شدة حيرتها، بدأت تبحث عن يوم ثامن في أيام الأسبوع السبعة، حتى تعلن قراراتها المُهلكة على الناس وهم غافلون!
ثانياً: بعد إعلان الإجراءات الاقتصادية ستعمل الآلة الدعائية الإعلامية (تلفزيون محمد حاتم ذو الميزانية التي تبلغ أربعة مليار جنيه في العام) بالإيحاء أن تلك إجراءات حتمتها الأزمة الاقتصادية العالمية، علماً بأنها ذات الأزمة التي نفوا تأثيرها من قبل!
ثالثاً: يُسخّر النظام ذات الدعاية الإعلامية بسدنته المبثوثين في الأجهزة المختلفة ليروجوا لما وصفوه بالحكومة الرشيقة، والإيحاء بتخفيض ما اسموه بشاغلي المناصب الدستورية. والذين قال عنهم وزير المالية إنهم يبلغون 828 فارس، مع أن هذا افتراء. لكنه صدق عندما قال إن عددهم الكلي نحو 9000 منذ أن جثت العصبة على صدورنا. هل يعلم القاريء الكريم أن من تقاعد من هؤلاء ما زال يتأبط امتيازاته، فضلاً عن أنه قد يكون قد زاد عليها بمخصصات وظيفة أخرى باطنية. فما على الحادبين سوى استخدام الآلة الحاسبة لمعرفة ما يستهلكه هذا الجيش الجرار من الخزينة العامة. وسيجد بلا انحياز إن الحل ليس في تخفيض الدستوريين، وإنما في ذهابهم إلى مزبلة التاريخ!
رابعاً: ستصدر الأوامر للأجهزة الأمنية والشرطية بالتساهل ابتداءً في التعامل مع المواطنين بمنطق أن الضغط سيولد الانفجار، ثمَّ مع ازدياد رقعة التذمر تالياً ستنكص السلطة الغاصبة على عقبيها وتصدر الأوامر بضرورة إحكام القبضة على خناق المواطنين ترهيباً وترعيباً، وهنا تبرز الحكمة الأخرى في ثقافة الشعوب المضهدة والتي تقول: إن العنف يولد عنفاً مضاداً!
خامساً: إزاء هذا السجال صعوداً وهبوطاً يكتشف بعض أفراد الأمن والشرطة إنهم يوجهون أسلحتهم نحو أسرهم الممتدة بترابط أهل السودان، وفيهم الأخ والأخت والعم والعمة والخال والخالة.. ألخ، وسيدركون أن معاناتهم لا تنفصل عن معاناتهم، وطبقاً لذلك ستبدأ أعداد كبيرة تقفز من المركب الغارق، لبيقى فيه فقط أصحاب المشروع الوهمي، الذين يدركون أن بقاءهم أحياء في بقاء النظام!
سادساً: تتسع دائرة المعاناة بصورة غير مسبوقة في المجتمع السوداني، انهيار العملة الوطنية، إفلاس الخزينة العامة، غلاء فاحش، ندرة شاملة في السلع الضرورية، طوابير في كل ما يستهلكه المرء، ربما طال ذلك الهواء الذي يتنفسه! في مقابل ذلك يتجلى جشع الموالين في أبشع صوره، فإزاء الإحساس بالدولة المنهارة والزائلة، يزداد نهمهم لمزيد من الفساد وتهريب ما تبقى من أموال للخارج!
سابعاً: تبدا الأسئلة الكبيرة تظهر بوضوح حتى في أذهان المحايدين، ويبدأ الناس الإنتقاد الحاد حيث تأتي كل كبائر العصبة دفعة واحدة حتى تلك التي ظنوا أنها سقطت من الذاكرة الجمعية، ومع اتساع دائرة التذمر وبلوغ الروح الحلقوم بوصول الأمور إلى نقطة خيار الصفر، تتجاوز طرائق التعبير الأفراد.. لتأخذ منحى جماعياً يسقط خيار (الميتة أم رماداً شح) أي الميتة العاطلة كما تعبر عنها الثقافة الشعبية السودانية.
ثامناً: ستبدو علامات الشقاق في أوساط العصبة الحاكمة، وذلك بتحميل طرف المسؤولية طرفاً آخر، وتلوح في الأفق نذر مفاصلة أشد وطئاً وأقوم قيلاً، تلك التي لن يتورع الخصماء فيها من استخدام كافة أسلحة الدمار الأخلاقي الشامل، واستناداً على قاعدة (إذا إختلف اللصان سرق المسروق) سيقف الناس على حجم الجريمة الحقيقي التي أُرتكبت في حق الوطن ومواطنيه، مما سيزيد النار أواراً!
تاسعاً: بمثلما تآمر ابناء سيدنا يعقوب على أخيهم، ستعمل فئة في الظلام على محاولة تسليم الرئيس الضرورة بدعوى (إنقاذ المشروع الإسلامي) استناداً على (فقه الضرورة) ولعل أقصى ما يمكن أن يتوقعه المرء في هذا السيناريو يشير إلى احتمال التخلص منه مداراة لسوءتهم، بغية الطموح في فتح صفحة جديدة مع المجتمع الدولي!
عاشراً: مع إزدياد الحالات التدهور الإنسانية، من نزوح ولجوء وفلتان أمني، سترمي القوى الدولية بنفسها في أتون الصراع عبر استصدار قرارات أممية، وتفعيل أخرى نائمة في الأضابير، واضعين في الاعتبار أن استقرار دولة الجنوب الوليدة يكمن في ذهاب عصبة الشمال، بهدف أن يكون الجنوب النموذج الذي تستقر به القارة الأفريقية وليس العكس.
أحدى عشر: ستنهض القوى السياسية من مرقدها وستخلع رداء الكسل والتقاعس واللامبالاة، وذلك تحت تأثير اتساع قاعدة التمرد الشبابي في أوساطها، ولن تجد قياداتهم بداً من الاستجابة لمطالبهم ورغباتهم حتى لو كان ذلك بذريعة (مكره أخاك لا بطل)!
ثاني عشر: عندما يتسع الفتق على الراتق، ستجد الأجهزة الأمنية نفسها أشد عجزاً في مواجهة الطوفان البشري، وسيرتد استخدامها سلاح القوة إلى نحرها، بحيث يمكن أن تتدخل في مواجهة بعضها البعض، عوضاً عن مواجهة المواطنين!
ثالث عشر: يصبح السودان في عين العاصفة، ويحتل الخبر الأول باستمرار في النشرات العربية والأجنبية التي ستجد ضالتها في بلد سيناريوهاته مفتوحة على مصرعيها تدرجاً من السييء إلى الأسوأ. سيكثر الخبراء الذي يشعلون الأجواء بتحليلات واستنتاجات قد تخيب وقد تصدق، تتحرك الكتل الجامدة في المهاجر والمنافي وديار الاغتراب، ومع اتساع المحنة تتسع دائرة الاتهام لمن رمى بها في أتون تلك النار لسنوات تطاولت، وتبدأ في التفاعل الإيجابي الذي يتعدى تظاهرات (أضعف الإيمان) أمام السفارات، مما يلفت الأنظار لمحنة أخرى منسية!
رابع عشر: يقوم الفاسدون بتغيير جلودهم، واستنساخ أنفسهم للإيحاء بأنهم كانوا من المنادين بالتغيير منذ زمن، وأنهم كانوا ينصحون من وراء الكواليس، وذلك تأهباً لركوب موجة التغيير القادم من وراء الحُجب والأستار!
خامس عشر: مع تمدد المحنة وتغورها، تبدأ العصبة ذوو البأس في تقديم تنازلات جزئية بغية شق صفوف معارضيها، الأمر الذي يربك صفوفهم في بدايته ولكن لأن التنازل يورث تنازلاً، يزيد الضغط الذي يطالب بأكثر من التنازلات، آنئذٍ يبدأ المتقاعسون في الانحناء للعاصفة حتى لا تقتلعهم وسدنة النظام بقدر سواء!
سادس عشر: تزيد القوى المعارضة التي تحارب النظام في الأطراف من مساحة تمددها لإرهاقه بحروب استنزافيه، فتزداد معاناته مع خزينة خاوية، لأسباب معروفة لن تجدي وسائل تجييش الشباب وستزداد وتتطور أساليب الرفض والتذمر والتمرد مما سيزيد من حدة المواجهات.
سابع عشر: تتداعى مؤسسات العصبة الكارتونية السياسية، يعجز الحزب الوطني الذي كان السلطة تحصي عضويته بنحو ستة ملايين مواطن وتسميه في شعاراتها (الحزب القائد لوطن رائد) يعجز عن إخراج تظاهرة لبعض مئات من الناس، للإيحاء بأنه ما يزال موجوداً!
ثامن عشر: تزداد رقعة التمرد بتمرد كتائب أمنية وشرطية وعسكرية، وتتداخل سيناريوهات الكواليس والصوالين المغلقة. ستعلو أصوات كثيرة تطالب وتعمل على عدم اتساع دائرة الفلتان الأمني الذي قد يدفع البعض ضريبته القاسية.
تاسع عشر: سيظهر عبد الرحمن (الجندي المجهول في شارع المك نمر) وصحبه بصورة مليودرامية في المشهد السوداني (الشكسبيري)!
عشرون: هذا سيناريو مفتوح تسدل فيه الستارة إما بالهروب الكبير، أو بالذي لا يعلمه إلا الله، وينتهي بتكوين حكومة انتقالية تتواصى على عقد مؤتمر دستوري شامل، وإيقاف الحروب الدائرة وإطلاق الحريات وإخلاء السجون من المعتقلين السياسيين، وإجراء محاكمات عادلة لفلول العصبة وتجرى في خواتيمه انتخابات حرة ونزيهة بإشراف المجتمع الدولي، وتعود للسودان عافيته تدريجياً بإعتباره عضواً صالحاً في المنظومة الدولية، ووطناً عزيزاً على أهله، وليس خصماً لهم كما توهمت العصبة ذوي البأس!
هذا هو السيناريو المتشائل، ولا تسألوني عن مآلات السيناريو المتشائم، وبنفس القدر السيناريو المتفائل، فهما من أمر شعبي!!
آخر الكلام: لابد من الديمقراطية وإن طال السفر!!
ملحوظة: الانحناءة والتجلة لكل من سأل سراً وجهراً، فالمبررات لن ترقى لمستوى المحنة حتى لو تطاولت!!
مودتي