المتابعون

الاثنين، 16 ديسمبر، 2013

صلاة الغضب على جنازة الحركة الإسلاموية

تعلمون - يا سادتي - أنه لم يخلُ مقال لنا من مرارة منذ أن تسنمت العُصبة ذوو البأس السُلطة في هذا السودان الصابر أهله، وبالتالي لن يكون غريباً إن جاء
حديثنا في هذا المقال حامضاً ولاذعاً ومفرطاً في نقده، وإلا فقل لنا يا صاحٍ ما عسانا أن نفعل غير الاستمرار في مقاومة الظُلم ومحاربة الاستبداد وتعرية الفساد، ليس كفرض عين فحسب، وإنما مبدأ ورسالة مقدسة لا تحيد؟ ولا يغرنكم الأبالسة إن تمطت سنواتهم وتثاءبت سوءاتهم وناءوا بفسادهم على صدورنا.. فنحن ما زلنا نرى في الغد المأمول فرحاً يشع نوراً ليبدد ظلامَنا ويُفرِّج كُربِنا ويُعوضنا خيراً يلحقنا بالإنسانية ومسيرة التقدم والازدهار.
ومع ذلك نرى أن من حق القارئ الكريم - حامل صخرة (سيزيف) بصنوف عذاباتها - أن نخفف معاناته بالتبسم في وجهه، لعل في ذلك صدقة نؤجر عليها معاً. من هذا المنطلق لا بأس إذاً أن نبتدر مقالنا هذا بنكتة أرسلها لنا صديق عزيز فأضحكني كما لم أضحك من قبل، إذ صادفت هوىً في نفسي ووجدت ملاذاً رحباً بتزامنها مع الواقع المؤلم. فنحن - يا سادتي - قوم من فرط ما تلقينا من رزايا الأنظمة الديكتاتورية وحكومات (الحِجِي والدجل والكُجور) صرنا حيارى،
إذا حزن المرء جراء بلايا داهمته استغفر الله، وإذا ضحك لأمر باغته استغفر الله أيضاً! على كلٍ كانت النكتة بمناسبة كرنفال ما سُمي بالتعديل الوزاري أو الحدث الذي شغلت به العصبة خلق الله ونامت ملء جفونها عن شواردها. تقول: كان هناك أحد المنتمين لفئة (أصحاب المزاج العالي)، وحدث أن كان يمارس هوايته تلك في غرفة مغلقة بها شباكان مفتوحان ذات اليمين وذات اليسار، وفجأة دخل عليه عصفور من الشباك اليمين وخرج من الشباك الآخر. وهنا انتفض صاحبنا مذعوراً بقلب كاد أن ينخلع من قفصه. فنظر باتجاه العصفور وقال له بصوت كسير: يعني عملت شنو بالله؟!
(2)
لم أشغل نفسي كثيراً بهذا التعديل الوزاري، والذي لم يعن عندي شيئاً أكثر من انطباع صاحبنا هذا عن العصفور وما فعل. فهو - في تقديري - مجرد مسرحية من مسرحيات كهنة العصر الجديد. مع ذلك ربما كان الأمر مفهوماً في تكالب العصبة نفسها - ممن عزّ فطامها - نحو سلطة أدمنوها أو تهافت المتطلعين للتزود من فسادها أو تطلع الانتهازيين الذين يريدون الاستمرار في أداء فروض الولاء والطاعة.
ولكن ما لم يكن مفهوماً، كيف انطلت هذه اللعبة الابتزازية على القوى السياسية المعارضة وبعض الأفراد - ونحن فيهم - فانشغلوا بها؟ فهي على الأقل (شهر ليس لدينا فيه نفقة) كما يقول المثل السوداني الدارج، كما أنها ليست عصا سحرية لتحيل هشيم السودان إلى جنة تجري من تحتها الأنهار. ففيم التكعكع والتلكع والتسكع إذن؟ في واقع الأمر إن مثل هذا الاهتمام العشوائي يجب أن يحفِّزِنا لضبط كثير من المصطلحات الخاطئة. كأن يكتب البعض عن الدستور الذي تمّ خرقه، أي دستور يا سادة ونظام العصبة نفسه هو من سطا على سلطة ديمقراطية اغتصب شرعيتها ومزق دستورها إرباً إرباً؟
وفي تقديري أنه نظراً لفعله الحرام هذا، ظلَّت مسألة الشرعية الدستورية هاجساً مؤرقاً للنظام وسدنته، بدليل أنهم حاولوا التحايل عليها كثيراً. مرة تحت مسمى (الإجماع السكوتي) وثانيةً تحت مظلة (التوالي السياسي) وثالثةً بانتخابات زورت جهاراً نهاراً واُطلق عليها تندراً (انتخابات الخج) ولم يبالوا. لهذا يظل هذا النظام نظاماً انقلابياً غير شرعي رغم أنف يوسف القرضاوي شيخ مشايخ قبيلة الإسلام السياسي،
الذي حاول الأسبوع الماضي نسخ هذه الصفة منهم بدعوى تقادم سنينها، والحقيقة لم يكن ذلك سوى تزلف قصد به درء ازدواجية المعايير في حكمه على ما حدث في بلاده الأم (مصر) بل إن المضحك المبكي إمعان العصبة نفسها في مزيد من التحايل، فها هم يفعلون ما فعله فرعون بقِلّة عقِله، حيث ما زالوا يتشبثون بدستور (نيفاشا) مع أن شريكهم فيه نال غنيمته ومضى إلى بناء دولته. فيا من تودون الخوض في مسألة التعديل الوزاري، يرجى وضع ذلك في سياق ما تحكمون!
(3)
أما إن شئنا الابتعاد عن التجزئة وتجارة (القطاعي) التي لا تحرك حجراً ولا تخدم غرضاً، فلننظر للمسألة بصورة أكثر شمولاً، ونكرر ما سبق وقلناها عن مآلات تتزايد احتمالاتها يوماً إثر يوم. فما حدث بالمنظور الواقعي يمكن حصره في خمس نقاط لعلها تفسر وتحدد مسار النقع فوق رؤوسنا وكفى. الأولى: أن ما حدث هو تعبير عن فشل مشروع بائر أصلاً، وبالتالي ما حدث هو هروب للأمام كسباً الوقت. إذ يبدو أن العصبة (كمن عِرف الديار بعد توهم) أدركوا أن الأنشوطة اشتد وثاقها سياسياً واقتصادياً وثقافياً واجتماعياً وآيديولوجياً حول رقبتهم. ثانياً: ظل وما فتئ هذا النظام يحمل بذرة فنائه في جوفه، ولم يكن بقاؤه كل هذه الفترة جراء قوة ذاتية بقدر ما هو نتيجة ضعف القادرين على التمام كما تعلمون.
وأياً كانت الأسباب فالعبر بالخواتيم، والتي تقول الآن - بلا شك أو تردد - إن الرحيل أصبح وشيكاً، ليس هذا فحسب بل ومكلف أيضاً، في إطار العصبة من جهة وبينها وبين مُعَذَبِيها من جهة أخرى. ثالثاً: تحدثنا عن الفساد حتى كلَّت أيدينا ولن نعيد ما ذكرنا ولكن لابد أن يستصحب المراقب مزيداً من الإرهاق للميزانية العامة إذ سيستمر السلف في نعيمهم ويفتح الخلف نفاجاً لفسادٍ جديدٍ. ويطيب لي للتذكير أن أطرح عليكم هذه المعادلة الصفرية ودعكم من كل قول ثاقب عن الفساد وقصصه،
ونعيدها بناءً على ما أكده الدكتور الطيب زين العابدين في أن راتب أحمد إبراهيم الطاهر رئيس المجلس الوطني يبلغ 31 مليون جنيه سوداني شهرياً ولم يستطع صاحبه له دحضاً، وهو من بقي في هذا المنصب نحو 13 عاماً (31000000×12×13= 4836000000) أي أربعة مليارات وثمانمائة وستة وثلاثين مليون جنيه، هي عبارة عن راتبه في تلك السنوات التي ظلّ فيها لابثاً في كهف المجلس الوطني، حدث هذا في بلد راتب طبيب الامتياز فيه يبلغ 600000 جنيه فقط لا غير، فراتب الطاهر هذا يساوي ما يناهز الخمسين ألف مرة راتب هذا الطبيب لنفس الفترة!
أي عدل يرومه المستغفلون في قادمين جدد هؤلاء قدوتهم؟ رابعاً: الأمر ببساطة، ستختفي الشخوص ولكن ستبقى الظلال شاخصة أبصارها على كل صغيرة وكبيرة، وها هو من تبرأ منه لسانه يقول بكل بجاحة أنهم سيسلمونها لعزرائيل. خامساً: إن من يود الغوص في الأعماق لرؤية ذلك الثمن الباهظ، عليه إعادة قراءة تاريخ الدولة الأموية والعباسية وما كان يحاك في القصور وخائنة الأنفس، وهل يعتقد برئ أن للعصبة تاريخاً أقل سواداً. غافلٌ من يظن أن الدماء التي أُهريقت، والأرزاق التي قُطعت، والنفوس التي عُذبت، والكرامات التي امتهنت، سيصفح ضحاياها صفحاً جميلاً ويقولون عفا الله عما سلف!
(4)
وطالما خضنا في هذا الأمر مع الخائضين، هاكم المنظور الشكلاني في مسرحية تجار الدين والدنيا. تأكيداً لما ذكرنا أعلاه لن يقول الأبالسة إن ما حدث هو نتيجة (انتفاضة سبتمبر) حتى وإن حاول أن يقلل من شأنها التبخيسيون والمخذلون، ولكن انصت لترهاتهم ستسمع بعد حين من يقول إن الذي ابتعثهم ليملأوا الأرض عدلاً قد أوحى إليهم بإخراج تلك المسرحية. أليست هذه لغة ناهزت ربع قرن حتى مللنا سماعها؟
إذن ما الجديد الذي يمكن أن يأتي به القادمون ولم يستطع أن يحققه الأولون؟ هل يعقل لمن تمرَّس على القتل وحياكة المؤامرات أن يبقِي ظهره مكشوفاً في انتظار قدره؟ هل يظن عاقل أن رؤوس الفتنة في العصبة بدءاً بعلي عثمان طه مروراً بنافع علي نافع وانتهاءً بعوض الجاز ومن لف لفهم، سيكتفون من الغنيمة بالجلوس في منازلهم واجترار الذكريات؟ بيد أنني أرى أن المسألة أكبر مما يظنون، فهي - يا سادتي - تحرير شهادة وفاة دولة المشروع الوهمي، وهاكم البراهين التي تلقف ما يأفكون.
(5)
في يوم 9/11/1965 وقف شاب اسمه شوقي محمد علي وتحدث معقباً في ندوة عامة بمعهد المعلمين العالي بمدينة أمدرمان، وكانت بعنوان (الإسلام والأخلاق) أو (المجتمع والبغاء) وتناول في مداخلته موضوع حديث الإفك. وقيل إنه تعرض فيه لإحدى زوجات الرسول الكريم. كان عمره آنذاك 19 عاماً ولم يقل إنه يتحدث بهوية حزب معين، وبالتالي كان يمكن الرد عليه أو حتى مقاضاته في ذاك الإطار بنص القانون. لكن من بين الحاضرين من كان يتربص بالحزب الشيوعي، ورأى في ما حدث فرصة للنيل منه، باعتبار أن عضويته كفاراً فجاراً وليسوا خصوماً سياسيين. كان علي عبد الله يعقوب في طليعة المتربصين،
وساندته في (موقعة المعهد) تلك السيدة سعاد الفاتح. ولو أنك - يا عزيزي القارئ - كنت أحد الذين شاهدوا يعقوب هذا يتحدث في برنامج تلفزيوني (أسماء في حياتنا) عن هذه القضية، لما تزعزعت قناعتك في أنه أحد الذين أحسنوا التجارة بالدين مثلما أحسنها برعاية (البنوك الإسلاربوية) في ذاك البرنامج قال يعقوب إن همه الأساسي انصبَّ في تجييش المشاعر الدينية ونسج الأحابيل التي تدين الحزب الشيوعي وتجرمه على فعل حتى وإن لم يرتكبه.
وبالفعل تحقق لهما ما عزما عليه دون اعتبار لمالآت عمل طائش كان بمثابة حجر الأساس في انقلابات عسكرية اكتوينا بنيرانها منذ الاستقلال وأورثتنا تلك الدورة الشريرة اللعينة. فضلاً عن أنها فتحت باب العنف في الجامعات الذي دشنه الدكتور عبد الرحيم علي بموقعة (مسرحية العجكو) ثمَّ أصبح العنف بعدئذ سنة يتعاطاها الإسلامويون كما يتعاطوا الماء والهواء. ولكن السؤال: لماذا نُقلِّب هذه المواجع ونسترجع هذا الشريط المخزي الآن؟
(6)
المذكوران سعاد الفاتح وعلي عبد الله يعقوب يعيشان بين ظهرانينا أحياء يرزقان. وطالما هما أحياء يقرآن فلا شك عندي أنهما طالعا ما قاله الدكتور غازي العتباني في تبرُئه من الدولة الدينية وتأكيده استحالة حكم السودان بها، ولعلهما قراءا أيضاً ما عضّده أحد المنشقين عنه، والذي قال إن أحد القيادات - الذي لم يسمه - عارض الهوية الإسلامية كتوجه للحزب بزعم (أن الدين أفيون الشعوب).
المذكوران طالما هم حيّان يتنفسان فلا شك عندي أنهما رأيا ما قاله الدكتور الطيب زين العابدين عن لفظهم الشريعة الإسلامية في تنظيمهم الجديد (الحركة الوطنية للتغيير) كما يلفظ المرء النواة. المذكوران طالما هما حيّان يجادلان فلا شك عندي أنهما شاهدا مبارك الكودة وهو يوقع على وثيقة الفجر الجديد التي تنادي بحرية المعتقد وتجهر بفصل الدين عن السياسة.
فلماذا لم يمتشق يعقوب سيفه وتطلق سعاد الفاتح صيحات الاستغاثة لنجدة الإسلام وتكفير (بني علمان) الجدد؟ بل قبل هذا - وبصورة أكثر شمولاً - يعلم المذكوران وبقية عصبتهما أن أحد الذين نهضت التجربة الإسلامية على كتفه، بل كان أحد السبعة العظام الذين رعوا الانقلاب تدبيراً وتنفيذاً، كان قد شيع التجربة بحديث موجع إلى مثواها الأخير. حينذاك لم ينطق أحد من العصبة معقباً على ما قاله يس عمر الإمام (أنا أخجل أن أحدث الناس عن الإسلام في المسجد الذي يجاورني، ولا أستطيع أن أقول لأحفادي انضموا للإخوان المسلمين) وعوضاً عن أن يشيعوها كما شيعها يس عمر الإمام، شيعوه هو إلى الدار الآخرة قبل شهور خلت وأقبل بعضهم على بعض يتباكون!
(7)
صدق ذو الجلال والإكرام في قوله (لا يحيق المكر السيء إلا بأهله...الآية) وطبقاً لهذا فإذا نظرت بعيني زرقاء اليمامة - يا قارئي العزيز - ستجد أن المكر السيء حاق بأهله فعلاً. فالتنظيم الذي تأسس منذ نحو أكثر من ستة عقود زمنية في طريقه للتلاشي، وهو الآن في حالة تدعو للرثاء، ويكفي أن بكري حسن صالح يشغل منصب نائب الأمين العام فيه. لا شك أنكم تعرفون المذكور،
فهو لم يقض عمره مصاحباً كتب سيد قطب وحسن البنا وابن تيمية مع بؤسها، بل يساورني ظن غير آثم أنه لم يقرأ في حياته سوى كتب أرسين لوبين ولم يشاهد سوى أفلام جيمس بوند. ونظراً لإيماننا بالحريات العامة فلن نطعن في سلوكه الذي يضعه ضمن سرب صاحب النكتة أعلاه، ولن نستكثر عليه تلك (المُضغة) التي لم تبارح فمه منذ ربع قرن، ولكن كيف يمكن للمرء أن يعيش ازدواجية كهذه (يُسبِّح بالنهار ويُضبِّح بالليل) كما يقول عامة أهل السودان. وهل تعلمون محصوله في هذه الحركة؟ سأعيدكم للوراء قليلاً، فأنتم تذكرون ما سُمي بـ (مذكرة العشرة) التي قسمت التنظيم إلى قصر ومنشية، تلك المذكرة في الأصل كانوا تسعة رهط يتآمرون، وعندما اكتمل كيدهم وأرادوا عرضها على الرئيس الضرورة كان بكري هذا حاجبه الأمين، فسدَّ عليهم المنافذ بمنكبيه، وقال لهم لن يحدث ذلك إلا إذا أضافوا اسمه، وهكذا صاروا عشرة، فتأمل! وما زال هناك من يرفع عقيرته ويقول لا للسلطة ولا للجاه!
(8)
أبعد هذا هل هناك من يجرؤ على أن يدس لنا هذا السم الزعاف في قارورة عسل ويقول إنه يرغب في أن يحكم باسم الإسلام السياسي؟ الحمد لله الذي أحيانا حتى نكون شهوداً على ما فعله طواغيت عصرنا هذا. كشفنا عن فسادهم وما فرطنا في الكتاب من شيء. بددوا ثروات السودان ما ظهر منها وما بطن. جغرافياً أصبحنا نعيش في بلد قضى ثلثه نحبه وأطرافه الأخرى تنتظر.
ديمغرافياً تشهد بلادنا هجرة جماعية لم تعرف لها مثيلاً حتى بات المرء يتوقع ألا يجدوا أحداً يحكمونه. اقتصادياً رزئنا بخزينة خاوية على عروشها، وديون بلغت نحو 46 مليار دولار، وبطالة تجاوزت 47% يداويها الشباب بتعاطي الحرام والمكروه عمداً. اجتماعياً تفشت القبلية والإثنية والجهوية بحروب متواصلة يأخذ بعضها برقاب بعض، واجتماعياً تقف (دار المايقوما لفاقدي السند) شاهداً على ما اقترفت أيديهم. واجتماعياً انتهكت كرامة أكثر من 50 ألف امرأة تحت مظلة قانون النظام العام سيء الصيت. سياسياً أصبحنا محسوبين على رئيس دولة مطلوب للمحكمة الجنائية. عقدياً صحونا على دين يجلس على صفيح ساخن، وصار الخيار إما أن نهرُب به أو يهرُب منَّا!
(9)
هل كانت تلك سذاجة منا أم كرم معهود فينا، أي أن نسلِّم رقابنا لإخوان الشيطان (كما وصفهم الرئيس المخلوع الذي بايعوه على المكره والمنشط) وهم يتأبطون (القانون البطال) كما قال ذات المخلوع عنه ويقصد قوانين الشريعة الشوهاء، فهل كان لزاماً علينا أن ندفع هذه الضريبة القاسية حتى نستبين الحق من الباطل؟ هل كان حتماً علينا أن نصبر على خزعبلات إسحق أحمد فضل الله،
وجهالات محمد وقيع الله، وترهات الطيب مصطفى، وعجرفة أمين حسن عمر وصفاقة نافع علي نافع؟ هل كان علينا أن نُمتحن في وطنيتنا وشرذمة من شذاذ الآفاق تلقي علينا دروساً في كيفية الولاء للوطن وحبه؟ هل ثمة عقوبة أكثر في عهد الانحطاط الصحفي من أن يتصدره محي الدين تيتاوي ومصطفى أبو العزائم وأحمد البلال الطيب وكمال حسن بخيت والنجيب قمر الدين وعبد المحمود الكرنكي وثامنهم الهندي عز الدين؟ هل حقاً كنا نحتاج لهذه الجرعة من الأسى حتى نستيقظ من سباتنا العميق؟ باسم الدين قُتلنا وباسم الدين عُذبنا وباسم الدين انتُهِكت أعراضنا، وقطعت أرزاقنا، واحتقرت كرامتنا!
(10)
نعم.. سوف نشيع الأنبياء الكذبة غداً، وسنقبر دولة الإسلام السياسي بعد غدٍ، ولكن قل لي بربك الذي خلقك فسواك فعدلك، من ذا الذي يعيد إلينا أحلامنا التي وُئدت، وطموحاتنا التي سُرقت، وآمالنا التي أُجهضت؟ من ذا الذي يُرجِّع إلينا ماضينا الذي دُمر وحاضرنا الذي تشوه،؟ من ذا الذي يعيد لنا ربع قرن اقتطعناه من جلودنا هماً وغماً وأسى؟ من ذا الذي يعيد إلينا ذكرياتنا الجميلة؟ من ذا الذي يعيد لنا خارطة وطن كان واعداً فوطئته سنابك خيول المغول وأحالته صعيداً جرزا؟
يا سادتي قوموا إلى صلاة الغضب يرحمكم الله!
آخر الكلام: لابد من الديمقراطية وإن طال السفر!!