المتابعون

الاثنين، 12 مارس 2012

مقدمة كتاب الخندق الذي نُشر حديثاً بالقاهرة للاستاذ فتحي الضو

توطئة
اُدخُلوها بسلامٍ آمنين!
        يقول المفكر الفرنسي الذائع الصيت، غوستاف لوبون (1841- 1931) في أحد مؤلفاته الرائعة والمتميزة:[1] «إن رجالات الدولة الكبار في كل العصور، وفي كل البلدان بما فيها الأكثر استبداداً، قد اعتبروا الخيال الشعبي بمثابة أكبر داعم لسلطتهم، فهم لم يحاولوا أبداً أن يحكُّموا ضده». ثم ضرب لوبون مثلاً باستعراض حديث نابليون بونابرت في مجلس الدولة الفرنسي، عقب انتصاراته الباهرة في شتى بقاع العالم: «لم استطع إنهاء حرب الفاندي، إلاَّ بعد أن تظاهرت بأنني كاثوليكي حقيقي. ولم استطع الاستقرار في مصر، إلاَّ بعد أن تظاهرتُ بأنني مسلم تقي. وعندما تظاهرتُ بأنني بابوي متطرِّف، استطعت أن أكسب ثقة الكهنة في إيطاليا. ولو أتيح لي أن أحكم شعباً من اليهود، لأعدت من جديد معبد سليمان»... ومن المفارقات، إن قوماً جاءوا من بعده، لم يكتفوا بفعل الشيء نفسه في التظاهرPretence ، بل الأنكى وأمرْ إنهم قاموا بتسييس الدين وتديين السياسة بصورة سافرة، أسقطت كل بواعث الحياء والقيم الأخلاقيَّة النبيلة. ولم يكن ثمة هدف يُذكرُ من وراء ذلك، سوى الإمساك بتلابيب السلطة حتى لا ينازعنهم فيها أحد. أي استبدلوا الذي هو أدنى بالذي هو خير.. وهم الخاسرون!
        سيُدركُ القرَّاء الكرام حال الفراغ من قراءة هذا السِّفْر، إن هدفنا ابتداءً فضح هيبة مصطنعة وقوة زائفة. ولم يتطلب الأمر شيئاً سوى هز منسأة سليمان التي يستند عليها النظام. فالمادة التي بين أيديكم تتضمَّن وقائع مثيرة، وقد انطوت على وثائق خطيرة. شئنا أن تكون دليلاً دامغاً في فضح الأجندة الباطنيَّة للدولة السلطويَّة التي قامت بتأسيسها العُصبة الحاكمة في السُّودان منذ العام 1989، أي عقب الانقلاب العسكري الذي أجهض النظام البرلماني المنتخب. وفي إطار الحيثيات التي بات يعرفها القاصي والداني، كانت الغرابة سيِّدة الموقف آنذاك، والتي تمثلت في أن تنظيم الجبهة الإسلاميَّة القوميَّة، الذي خرج الانقلاب من عباءته، كان مشاركاً في ذات النظام الموءود، وذلك ضمن منظومة ما سُمِّي بـ”حكومة الوفاق الوطني“ (1987- 1988)، فبغضِّ النظر عن الدوافع السياسيَّة، فإن المشاركة المذكورة لم تعصمه أخلاقياً من تدبير الانقلاب بمكيدة لا يقوى على صنعها إلاَّ الذين بلغوا شأواً عظيماً في المُكر والدَّهاء. وحتى الآن لم يستطع أي من دهاقنة التنظيم أن يأتي بتبرير، لا نقول أخلاقياً بل منطقياً، ونتأمَّل العكس فيما ذهب إليه الدكتور حسن التُرابي في ندوة أقيمت بجامعة الخرطوم يوم 31/12/2003 حيث قال: «إن الحركة الإسلاميَّة لا تستطيع الوصول للحكم عبر الديمقراطيَّة، لأن الاتجاه العالمي كان لا يقبل الإسلام في الحكم»،[2] وهو التبرير الذي لم يستنكف الآخرون تكراره كلما سُئلوا أو لم يسألوا عن ذات الأسباب!
        بالرغم من كل ذلك، لم يكن عصياً على السودانيين المُغرَمين بالحديث في شئون وشجون السياسة، أن يكتشفوا منذ الوهلة الأولى بحصافتهم الفطريَّة المعهودة، أن العُصبة التي جلست على سُدة الحكم، اتَّخذت الدين الإسلامي غطاءً لتمرير أجندتها السياسيَّة. ليس هذا فحسب، بل جعلته وسيلة لتبرير أفعالها الإجرامية. علماً بأن التجاوُزات التي ابتغوا تبريرها، ليست عن حُرمة دم البعوض، أو حكم من تبوَّل واقفاً، وإنما عن فظائع بلغت حد القتل والبطش والتنكيل والتعذيب وقطع الأرزاق. ولم يكن ذلك نهجاً عشوائياً، وإنما منهج وأسلوب حياة، أسَّسوا له في المسيرة القاصدة بما اصطلح على تسميته بـ”فقه الضرورة“، وهو المصطلح الذي دخل القاموس السياسي والأيديولوجي للنظام عنوةً. ولم يكن ذلك تغوُّلاً على المذهب الشيعي كما يتراءى لبعض العارفين، وإنما كان استدعاءً ابتزازياً لسدنة المذهب القابعين في مدينة ”قُم“، وعندما تمَّ لهم ما أرادوا يومذاك، أنتجت العلاقة حلفاً عقيماً، مضى وهناً على وهن، لأن الخادع والمخدوع يعلمان تماماً أنه محض خواء، لا أرضاً قطع ولا ظهراً أبقى!
        تستند مادة هذا الكتاب على ساقَيِّ الفساد والاستبداد. وبالرغم من أنهما أصبحتا لا تحتاجان لدليل أو برهان، إلا أنه درءً لأية شبهات ودحضاً لأي توجُّسات، سوف نعضِّدهما بوثائق هامة، ومصدر الأهميَّة يكمُنُ في أنها خرجت من دهاليز النظام وغُرفه المغلقة. وبالطبع سوف يثور سؤالٌ يتوخى البحث عن إجابة للكيفيَّة التي اجتازت بها هذه الوثائق الليل والأستار حتى وصلت مرابعنا، لا سيَّما، وأنها من لدُن نظامٍ ظلَّ الأمن هاجسه الأساسي، وفي سبيل هذا الهدف صرف من أجله بلايين الدولارات لدعم سلطات النظام وتثبيت أركانه! الإجابة ببساطة تقول: صحيحٌ أن هذا النظام بنهجه الديكتاتوري البغيض استبقى أسراره في بُروجٍ مشيَّدة، لكن العرب العاربة تقول في إحدى حكمها الخالدة ”مِن مأمنه يُؤتى الحذر“، وعليه يمكن القول إن هذه الوثائق وجدت طريقها إلينا وهي تتهادى تيهاً وخيلاء. ولأن حاملها هو ابن سرحتها - أي العُصبة - الموصوف بالوفاء والإخلاص والتجرُّد، نَحْسَبُ أن ذلك يمكن أن يُعقِّد اجتهادات العُصبة الحاكمة، ويزيد من دوائر دهشتها إن قيَّض الله لها معرفته. وسواءٌ نجحت العُصبة في مسعاها أو أخفقت في طموحها، يمكن القول إن أهمية هذه الوثائق لا تنحصر في كونها تُعَدُّ اقتحاماً جريئاً لحصون منيعة، ولكن في مضمونها الذي سيزلزل الأرض تحت أقدامها. بل لربما عجَّل برحيل دولة الظلم وإن طالت سلامتها. فهي بكل المقاييس تُعَدُّ الأحلك ظلمة، والأسوأ غُمَّة في حياة السودانيين، فلم يجنوا منها شيئاً، سوى الجهل والمرض، ونقص في الأنفس والثمرات!
        بغضِّ النظر عن رأينا الذي يحتمل الخطأ والصواب بقدرٍ سواء، فإن المصدر المذكور من الذين قيل عنهم إنهم تربوا في عرصات الحركة الإسلاميَّة، وتدرَّجوا في مراقيها ينظر للقمَّة دون أن يطمح لبلوغها. وإن وصفوه بالإخلاص والوفاء فهو مثله مثل أبناء عُصبته، يمكنه أن يُشنف آذانك بادِّعاء التجرُّد ويردِّد على مسامعك أهزوجة ”هي لله، لا للسلطة ولا للجاه“ في الوقت الذي يكون فيه قد أنشب فيها أظافره كالمنيَّة. ويمكنه أن يمعن في الزُهد بقوله ”لا لدنيا قد عملنا“ وهو من أخذ نصيبه منها مثني وثلاث ورُباع. ولا تستعجب إن زايد عليك بالدين وزاد بالوطنية وقال لك: ”نحن للدين فداء“... أما أنتم يا أعزائي القرَّاء، فمن قبل أن تنداح عليكم أمواج الدهشة وتُغرقكم في لُججها، ما عليكم سوى أن تستصحبوا الشعارات البراقة التي ردَّدتها هذه العُصبة، افتراءً على الله سبحانه وتعالى، وازدراءً لعباده من السودانيين الصابرين على المكاره. أما الذي نحن بصدده، فهو الدليل الساطع والبرهان القاطع الذي يؤكد ذلك ويكشف ادِّعاءات الزُهد والتديُّن والتجرُّد والوطنية، حتى ندرك بالفعل إنها محض زعيق وصريخ وذرُّ رمادٍ في العيون!
        طالما أنه لا يُضيرُ الشاة ذبحها بعد سلخها، حريٌ بنا القول: إن المصدر، أو إن شئت فقُل المصادر التي سرَّبت لنا هذه الوثائق، بأيدٍ راعشة وقلوب واجفة.. ”هم“ من أبناء الحركة الإسلاموية، بل إن شئت فقل ”هو“ من الذين تربوا في كنفها، وترقوا في مدارجها كما ذكرنا آنفاً. وواقع الأمر فأنا مثلك يا عزيزي القارئ، لم أعرف ليلي من ضُحاي حينما طالعتُ تلك الوثائق للمرَّة الأولى، إذ ساورتني ذات الشكوك التي ساورت سيِّدنا إبراهيم من قبل، أثناء رحلته المثيرة من الكُفر إلى الإيمان. ولأننا نحن معشر السودانيين معروفين بِقلّة الحيلة ونفاد الصبر حينما يتعلق الأمر بصيدٍ ثمينٍ، حسبته بادئ الأمر فرداً ولكن من خلال ركام الوثائق - كماً ونوعاً - أيقنتُ أنه ربما ليس وحده. وأدركتُ أن ثمة عُصبة صغيرة تقف من خلفه، وقد اتخذتُ من قصة أبناء سيِّدنا يعقوب نموذجاً في التآمُر، أقول قولي هذا برغم نفيه الذي أردفه بقسم غموس. ولكن رُبَّ متوجس يُذر على مسامعنا قول الله تبارك وتعالى في محكم تنزيله: {هل في ذلك قسم لذي حجر} (سورة الفجر) وقد يتساءل مثلما تساءل غيره خلق كثير: منذ متى بربك برَّت العُصبة بقسمٍ ذاع بين الناس أو حتى خفي سره.. بدءً بالانقلاب على الشرعية الدستورية، ومروراً بهويته المزيفة، وانتهاءً بالقوات الأجنبية التي ناءت بكلكلها على صدر الوطن؟
        سواءٌ هذا أو ذاك، أجد نفسي ملزماً بإيراد حوار قصير بيني وبين المصدر الذي أصبح في فم المدفع، حدث  ذلك بعد فترة استوثق فيها من قولي له: إن أخلاقي المهنيَّة تحتم عليَّ ألا أفصح عن مصدري حتى لو وُضعت الشمس في يميني والقمر في شمالي. كان ذلك في بداية عهده في الاتصال والتواصُل حينما وعدني مؤكداً إنه سيبرَّني بمعلومات تعينني في رسالتي الوطنية، على حدِّ تعبيره. وعندما قلت له: لماذا؟  قال إن ذلك لسببين، الأول: إعجابه بما نكتب، والثاني ”تأكدهم“ من أننا نكتب دون إملاء من جهة، أي على عكس ما كانوا يظنون. ولا أدري إن كانت صيغة ”الجمع“ التي خرجت من بين صدغيه، هي للتأكيد أم التضخيم، أم زلة لسان اقتضاها المقال وفرضها المقام. قلتُ له، الأولى: ذلك شرفٌ لا أدَّعيه ولم انتظر منه مكافأة من أحد. أما الثانية، فالحمد لله الذي جعلكم تستبينون الخيط الأبيض من الأسود في خضم الاتهامات وترمون بالقول على عواهنه تخويناً وتشكيكاً وتسفيهاً لكل من خالفكم الرأي.
        ثمَّ دارت دورة الأيام بصرير أشبه بصرير الساقية، إلى أن فاجأني بهذه ”الغنيمة“، التي بين يديك يا عزيزي القارئ. وحينها، وبعد الاستيثاق الدقيق، قلتُ له: أسمح لي بأن أعيد على مسامعك قولاً ثقيلاً، بالرغم من أنني سبق وقلته من قبل. قال: تفضَّل. قلتُ: لماذا تعطيني هذه المعلومات التي من شأنها أن تزلزل أرضاً تقف عليها أنت وعُصبتك؟  فقال لي كمن يستعجل حتفه: الأرض بك أو بسواك تزلزلت تحت أقدامنا، ولكن أعطيك لها من أجل تشهد لي يوم الموقف العظيم. قلت له: أيُّهم.. فالذي أعرفه إن هناك موقفين عظيمين، الأول في الدنيا وإن اختصَّ به أهل السودان، أما الثاني ففي الآخرة وهذا ما بشَّرنا به خالق أهل السودان والبشر أجمعين. فأيُّهم تريدني أن أشهد به يا ترى؟  قال خالطاً بين الجد والهزل: دع الآخرة حتى نصلها، واتركنا في الدنيا!
        بُهِتَ الذي سَدَرَ في تخيُّلاته وسيناريوهاته، ولكن بالرغم من كل ذلك، يجدُرُ بك يا عزيزي القارئ أن تسألني: ما الذي دعاني لأن أشك في أن من ورائه تقف عُصبة؟  الإجابة باختصار شديد، تكشف عنها طبيعة المادة نفسها، فالرجل الذي أفني عُمراً في دروب الحركة الإسلاموية، لا أعتقد أنه ملمٌ بتقنية العصر، والتي جعلت من العالم ”شاشة كمبيوتر“ كما يقولون، فبعض الذي ستقرأه لا يستطيع فعله إلا من امتلك قدراً من الإلمام بالتقنية الحديثة... ليس هذا فحسب، بل يجدر به أن يكون ممَّن حباهم الله بعقل فذ وموهبة متميِّزة، تستشف ما وراء أكمة تكنولوجيا العصر. وعليه، قطعاً لدابر هذه المتاهة، وحتى لا نُرهق العُصبة بطلاسم تزيد من عذابها النفسي، نعيد من باب المقاربة مع لغة اليوم، ما قاله معاوية بن أبي سفيان بالأمس بتحوير يحتمه المقام: ”إن لله جنود من تقّانة!“ ولكن كلنا يعلم أنه أمرٌ لن يتأتى، إلاَّ إذا سخَّر الله لهؤلاء الجنود، عباداً اختصهم بقضاء حوائج أهل السودان، لا سيَّما وهم من صبروا في الدنيا ولم يستبقوا شيئاً يكسبون من وراءه أجراً في الآخرة!
        تأسيساً على ذلك، ثمة رسالة غاية في التواضع، نوجِّهها لمن اعتقد أن التكنولوجيا دانت له وصارت طوع بنانه، وتوهَّم أنه ظِلُّ الله في الأرض وبيده مقاليد الكون، يُحيي ويُميت بما اسماه ”الكتيبة الإستراتيجية“ أو ”الكتيبة الإلكترونية“ أي الذين وصفهم السيد محمد المهدي مندور، نائب رئيس المؤتمر الوطني بولاية الخرطوم بأنهم: «الجنود الذين يقودون عمليات الدفاع الإلكتروني» وبشَّر أولئك الجنود في يوم تخرُّجهم بقوله: «لن تؤتى البلاد وأعيننا ترمش»، وزاد متوعداً: «أنتم مجاهدون ولن تستطيع قوة في وجه الأرض أن تقف أمامنا»، وأضاف بفم ولغ من دماء خصومه: «من يقف أمامنا سنسحقه سحقاً وننتهي منه في هذه الأرض»، وخصَّ منهم بالذكر جنوداً مجهولين سمَّاهُم بـ«بشباب الفيس بوك»[3] وذلك في إشارة للموقع الإسفيري الشهير. وبعد الوعد والوعيد، لم ينس أن يُعضِّد قوله بقسم غليظ، شأنه في ذلك شأن عُصبته الذين استهانوا بالقسم مراراً وتكراراً وهُم حانثون!
        لا أدري ما الذي يمكن يقوله مندور المهدي عندما يستذكر قوله أعلاه بما اعتوْره من استعلاءٍ وعنجهيَّة واحتقار لمخالفيه في الرأي والتوجُّه، إن قيَّضت الظروف له أن يطالع مؤامرات عُصبته هذه؟!  فالذين حاولوا التقليل من شأنهم هُم شباب هذا الوطن، وطائفة من الوطنيين ممن آلمهم الإقصاء وأوجعهم المآل الذي لحق ببلادهم. ذلك بغض النظر عن الاختلاف الطبيعي في الآراء، فهم طائفة من المخلصين تشهد لهم أنهم ظلّوا وما انفكوا يبحثون عن وسائل يهزون بها عرش الطاغوت، ولن يجرِّمنهم شنآن قوم عملوا على تخذيل جهودهم حتى كادوا أن يجرِّدونهم من وطنيتهم. علماً بأنه إذا ما كانت المسائل تقاس بمنطق القول السائد: ”لولا اختلاف السلع لبارت الأسواق“، فليكن بمنطق: ”دع ألف زهرة تتفتح“، على حد تعبير المثل الصيني الشائع، لا سيِّما وأن الصين لم يدخلونها ضمن الدول التي دنا عذابها. فالطبيعي أن توفر الدولة المناخ الذي يحفز على تلاقُح الأفكار وتمازُج الآراء وصولاً لهدف نبيل يرتقي بالبشر وفق ما أكدت الديانات السماويَّة وأقرَّت الأعراف الإنسانيَّة. وهو أمرٌ لن يتحقق إلا في ظلِّ دولة تقدِّر إمكاناتهم، وتطوِّر قُدراتهم وتصقل مواهبهم، وفي ذلك حقٌ مشروع للسائل والمحروم كما تعلمون. أي في إطار حقوق وواجبات المواطنة، وفي ظلِّ دولة ديمقراطية حقيقية تبتغي رفاهية المواطن وازدهار الوطن.
        بَيْدَ أنه لن يخفي على قارئ السطور هذه أمراً في غاية الوضوح، فلا مناص بعدئذ من القول إن قيمة هذا الصيد الثمين، أو السمين - سيَّان- تكمُنُ في جسارة الدخول إلى عش الدبابير، وشاهدنا في ذلك أياً كانت وسائله فهو أمر غير محمود العواقب. أما نحن الذين لا نطمع إلا في أجر المناولة، نقول بكل صدق إن كل ما من شأنه بث الرعب في نفوس العُصبة يجد منَّا قطعاً كل تقدير وترحيب واحترام، وذلك تأسيساً على يدٍ سلفت في مناهضة مشروعها الظلامي من جهة، وتوخياً لنبل المقصد من جهة أخرى، لا سيَّما وأنه يهدف إلى تعرية مشروع ثيوقراطي لسلطة غاصبة، في دولة تميَّزت بالتنوُّع الإثني والتعدُّد الديني والتبايُن الثقافي كما أسلفنا الذكر. وتبعاً لهذه المعطيات نكرِّر ما قلناه أيضاً إنها سلطة افترت على الله كذباً وعلى عباده قهراً وعملت عكس ما هو مفترض وطبيعي. إذ دخلت في حروب مستمرَّة مع شعبها.. عملت على تقتيله وتدميره وسلبه إرادته وإهدار كرامته بشتى الوسائل والسُبُل.. فما الذي يمكن أن يفعله المرء حيال كل ذلك؟  فالمُكر السيئ لا يحيق إلا بأهله.
        حريٌ بنا القول إن هذا الاقتحام يمثل حالة نادرة في تاريخ الديكتاتوريات السودانيَّة الثلاثة، وإن كان أمراً مألوفاً في تاريخ الشعوب وبصورة نسبيَّة. وشاهدنا في ذلك نموذجاً اتَّخذ منحنىً عالمياً وهو ماثل بين أيدينا في منشورات الموقع الشهير المسمى بـ”ويكيليكس“ Wikileaks، أي ”تسريبات ويكي“، وهو موقع أثار ضجة مؤخراً رغم أنه تمَّ تدشينه في العام 2006 وخرج على الملأ باستحياء شديد، ورويداً رويدا عمَّ القُرى والحضر بتسريباتٍ تناولت نحو ما يُقاربُ المائتي دولة، وعلى وجه الخصوص ”العالمثالثية“. والمعروف أنها قد أثارت ضجَّة دوليَّة بموجات جبَّت كل واحدة ما قبلها، أي تصنع الوثيقة دوائر من الجدل الممزوج بالدهشة، ثم تغوص في زوايا الذاكرة، ريثما تظهر واحدة أخرى بذات الوصف، وتنداح دوائر كما الماء في البركة الراكدة، كلما اتسع مداها تلاشت. بما يعني أن ثمَّة إثارة أصبحت ملازمة للمسألة أيضاً. وفي التقدير أن إحساس الإنسان - أياً كانت جنسيَّته - في كونه أصبح ملماً بأسرار الكواليس ومناخات الغرف المغلقة لأصحاب القرار أو النُّخب الفاعلة في المجتمع لأمر يدغدغ المشاعر ويبعث المتعة. فلكل جديد دهشة كما تقول العرب العاربة أيضاً.
        انطلاقاً من هذه الزاوية، يجدُرُ بنا تسليط الضوء قليلاً على هذا الموقع الذي أقام الدُّنيا ولم يُقعدها بعد. فاجأ الناشط الأسترالي ”جوليان أسانج“ العالم باقتحام عرين الأسد، واستطاع الدخول لمعقل من معاقل الإدارة الأمريكيَّة الحصينة. بغضِّ النظر عن الجدل الذي أثاره أسانج وما زال بين كثرة غالبة ترى في ما فعله عملاً مشروعاً وبين قلّة قليلة استنكفت فعله، يمكن النظر للمسألة من زاوية أنه لا يمكن الادِّعاء بالقوة المطلقة بعد أن اتضح أن إصبعاً واحداً يمكن أن يضغط على مفتاح صغير في جهاز كمبيوتر ”حاسوب“، يستطيع أن يدُكَّ حصون إمبراطوريَّة عتيدة. لم يكن الرجل يمتطي دبابة، ولا يحمل صاروخاً، أو حتى بندقية كلاشنكوف. فقط كان يحمل جمجمة بداخلها عقل متقد الذكاء. دخل لعرين الأسد وخرج محمَّلاً بصيدٍ وفير. وبالطبع لم يستأثر به ويعالجه وراء غرف مغلقة كما حال الوثائق نفسها، ولكن شاء أن ينشرها على الملأ حتى يعلم الخلق ما الذي كان يجري خلف الجُدران المؤمَّنة. مع العلم أنه كان بمقدوره أن يجني مالاً كثيراً إن أراد ابتزاز الإدارة الأمريكية، وآخرين ممَّن تناولتهم الوثائق وضاعت على إثر نشرها هيبتهم!
        أوردنا ذلك حتى لا يلتبس الأمر في أذهان البعض، فالوقائع والشواهد تقتضي التوضيح والإنصاف فيما نحن فيه غارقون، أي هذا الكتاب ومقارنة طبيعته بطبيعة الموقع الشهير ”ويكليليكس“، فالواقع أن مصادرنا كانت سبَّاقة من الناحية الزمنيَّة. إذ أن الموقع المذكور، برغم ظهوره المُبكِّر كما أوردنا، لكنه لم يبدأ تسريب ما يخص السُّودان إلا في العام الماضي، وعلى وجه الدقة يمكن القول أثناء إعدادنا هذا الكتاب. علماً بأن صيدنا الوفير استقرَّ بين أيدينا من قبل عام ونصف العام تقريباً، وهي فترة وإن تأخرنا في إنجازنا هذا الكتاب، ولا عُذر لنا سوى شواغل الدهر التي حالت دون الانتهاء منه في زمن قياسي. هذا إلى جانب أن الاستغراق في معالجة وثائقه بحثاً وتمحيصاً واستقراءً استوجب وقتاً ليس بالقصير. إذ تطلب الأمر كثيرٌ من البحث والتنقيب والتحرِّي والتحليل، وربط الأحداث بعضها ببعض، ومن ثمَّ فكَّ شفراتها ”الأمنيَّة“ وتزويدها ببعض المعلومات والتوضيحات اللازمة، وهذه كلها أشياء سيلمسها القارئ بنفسه وهو يتابع صفحاته.
        وبالرغم من أن كل ما ذُكر أعلاه لا ينبغي أن يكون عذراً، ولكن نقول ربَّما التثبُّت والدقة والأمانة تشفع لنا عند القارئ. وبالقدر نفسه يمكن القول لو أننا شئنا نشر هذه الوثائق بصورة مجرَّدة، أي دون معالجتها بما ورد ذكره، لكان ضررها أكثر من نفعها، وذلك نظراً للتشويش الذي سيحدُث جرَّاء ذلك، إضافة إلى أنها ستكون محض إثارة، وبالتالي ستنتهي بمجرَّد انتهاء مفعولها، أي سيبقي الزَّبَدُ ويذهب ما ينفع الناس جفاء. وبناءً على ذلك فقد فكرنا وقدَّرنا أن تكون هذه الوثائق بمثابة ”مذكرة اتهام“، مُحْكَمَة، بما يصعُبُ نفيه أو دحضه أو التبرُّؤ منه!
        على الرغم من كل ذلك، لو جاز لنا أن نقارن بين الحدثين، فيمكننا القول إن الوثائق التي نشرها ويمضي في نشرها موقع ويكيليكس، تركَّزت بشكل أساسي في التقارير المتبادلة بين السفارات الأمريكيَّة Homework المختلفة، وبعض الإدارات ذات الصلة. ولعلَّ الغاية من ذلك واضحة جداً، فالدبلوماسيون الذين يقومون بذلك النشاط يهدفون إلى الإلمام بالظروف السياسيَّة والاقتصاديَّة والاجتماعيَّة والثقافيَّة في البلد المعيَّن، لكي تُعين أصحاب القرار في حكومة بلادهم على اتخاذ الموقف الملائم تبعاً لذلك. وهو أمرٌ مشروعٌ بلا شك في إطار العمل السياسي والدبلوماسي المعروف، بغضِّ النظر عن الوسائل التي استُخدمت في الحصول على تلك المعلومات. وبغضِّ النظر أيضاً عن الآثار التي خلفها أو سيخلفها نشر الوثائق على الدوائر أو الأشخاص ذوي الصلة، وكذلك بغضِّ النظر عن نوايا الشخص المستخلصة منه. علماً بأن البراءة أو حُسن النوايا أو اللامبالاة أو السذاجة حتى، كلها أمور لا تبرِّر، بل لا تشفع طالما أن الحديث المعني جرى وراء حُجُبٍ وأستار وجُدران يصعُبُ اختراقها. في حين ما نحن بصدده الآن لمختلف جداً، ذلك ما يمكن تسميته بوثائق الظلام، فبالنظر لطبيعة النظام الشمولي الديكتاتوري القائم في السودان، هذه الوثائق تتحدَّث عن فساد سياسي وإداري وأخلاقي ومؤامرات ودسائس وأمور أخرى تتسق وطبيعة النظام نفسه.. وبالتالي، وفق تقديراتنا، يصبح أمر نشرها واجباً وطنياً حتى يكون الناس على علم بما يجري في الغرف المظلمة ومن وراء الكواليس!
        انطلاقاً من هذه الزاوية، لا نود الدخول في جدل بيزنطي كمثل الذي صاحب منشورات ويكيليكس في بداية عهدها، ولا غُرُوَّ أن خفَّت وتائره رويداً رويدا، وحلت محلها غرائز حب الاستطلاع والاستمتاع والشغف الطبيعي، لدرجة أصبح الناس فيها أكثر نهماً، كلما طالعوا وثيقة، قالوا هل من مزيد. وطالما أن لكل فعلٍ ردُّ فعلٍ وفق قوانين الطبيعة المعروفة، يمكن القول إن وثائق ويكيليكيس كان لها مردوداً إيجابياً كبيراً. ظهر سريعاً في بعض البلدان وتباطأ نسبياً في بلدان أخر. وطبقاً لهذا يمكن القول أن التغييرات الراديكالية التي اجتاحت العالم العربي فيما سُمِّي اصطلاحاً بـ”ربيع الثورات“ ليست بعيدة من هذا المساق، سواء جاء الأمر متزامناً دونما ترتيب مسبق، أو قصداً مع سبق الإصرار. على الأقل لا يستطيع أحد أن ينفي العامل النفسي المُحفِّز الذي دفع الثورات العربية - التي اختلفت وتباينت فيها طرق التعبير- في تسليط الضوء على الفساد والاستبداد في أقطار بعينها. وعليه من هذا المنطلق، ثمة أمل مرتجى في أن يفضي نشر وثائق العصبة ذوي البأس الحاكمة في الخرطوم هذه، إلى نتائج مماثلة، تحرض المغلوب على أمرهم على الفعل والتغيير والإصلاح!
        ثمَّة سؤال ظلَّ يراود مخيِّلتي طيلة كتابة سطور هذا الكتاب: كيف ساس شُذاذ الآفاق أناساً لم ينتخبونهم وظلوا جاثمين على صدرهم لأكثر من عقدين من الزمن، في حين أن أفعال وأقوال يوم واحد كانت كافية لقذفهم في مزابل التاريخ؟!  نحن لا نريد أن ننكأ جراح مرارات طاف عليها الزمن في الانقلاب وملابساته، ومن ثمَّ مسار الحُكم وتوقعاته... لقد عبثت عُصبة الإنقاذ بمُقدَّرات السودان ومصائر أهله، سلطت سدنتها وهم متعطشون للدماء، فكانت الحروب هوايتهم ومآسي الناس متعتهم. من أجل هذا لم يعبأوا برؤية البلاد تُبترُ من أطرافها حتى وصل البتر حد انفصال ثلثها، مساحة وسكاناً وموارد. ولم تحرِّك معاناة أهلها ساكناً في ضمائرهم النائمة بعد أن عطَّلوا أحاسيسهم ومشاعرهم. اتخذوا الحُكم مطيَّة لتلبية نداء شهواتهم المريضة، فاكتنزوا المال والذهب وتمتعوا بالنساء مثني وثلاث ورباع.. أوهموا وتوهَّموا أنهم الحاكمون بأمر الله، والقائمون على ملكوته في الأرض، ولذا لن يطالهم حساب أو عقاب. عِوَضاً أن يكونوا في خدمة السلطة، صارت السلطة في خدمتهم، وبدلاً من أن يعملوا لرفاهية الإنسان سخَّروا الإنسان لرفاهيتهم!
        لقد حادت العُصبة الحاكمة في السودان عن جادَّة الطريق، والذي كان يمكن أن يختصر سنوات من المعاناة على أهل السودان. المفارقة أنها ما زالت تطمع في المزيد، رغم الأزمات التي استحكمت وضاقت حلقاتها، بل وأصبحت تنذر بعواقب وخيمة. ليس على مصائرهم فحسب، ولكن على مصير البلاد والعباد الذين سيدفعون ثمنها غالياً بلا شك. فكلنا يعلم أن النار حينما تندلع لا تتخير أهدافها، ولهذا يخشى الناس أن تخرج سيناريوهات العنف من قمقمها فتضع البلاد في صفوف الدول التي سلكت طريق الآلام نفسه وما زالت تتنكب خُطاها. فرغم دروس الإنسان لأخيه الإنسان، يأبى ”النيرونيون“، الجُدُد أن يتخلوا عن ساديَّتهم الوالغة في دماء البشر، فثمَّة إصرار غريب على رؤية الخرطوم تحترق بنار لن تترك حجراً ولا بشراً. كأنَّ بينهم وبينها ثأر لا يدري أحد كنهه.
        في الكفة الثانية، نقول إن كان الناس يؤمنون بالديمقراطيَّة خياراً حضارياً، وأنها وسيلة، غايتها تقدُّمهم ورفاهيَّتهم وازدهارهم، وأنهم في سبيل ذلك هُم مدركون للمتاعب والمخاطر التي تحُف طريقها. وأنهم على استعداد لبذل التضحيَّات الجسام بتقديم الأرواح رخيصة في سبيلها.. نقول، سترتفع بلا مناص وتائر التكلفة دون سقف في حدودها، ولا يظنن أحداً أن الخداع الذي ظلت تمارسه العُصبة ذوي البأس بمنجيهم، لأن شمس الحقيقة ستكون عندئذ قد كشفت الأكاذيب البلقاء والادِّعاءات الجوفاء، فلن يكُن ثمَّة مكانٍ للذين يُسبِّحون بحمد الديمقراطيَّة نهاراً ويُزهقوا روحها ليلاً!
        بالطبع لن نأتي بجديد إن قلنا إنه عصر الشفافيَّة وزمن التقنية.. إنها الحقبة التي تغيَّرت فيها آليات الحرب والسلام. فكلنا يعلم أن ثمة حروب صارت تندلع وتنطفئ دونما أن تراق فيها نقطة دم واحدة، وثمة حروب تتصدع لها عقول وجدران، ويُراقُ فيها ما هو أكثر مأساويَّة من تخيُّل الجحيم في العالم الآخر. تأسيساً على ذلك، ولفائدة القارئ، ينبغي أن نمعن النظر كثيراً في النقاط التي سلطنا فيها بعض الضوء على ذلك الموقع الشهير ”ويكيلكيس“ بما يمكن أن يُعين في تفهم القضايا بواقعية ووضع الأمور في إطارها الصحيح، لا سيَّما، وقد لاحظنا أنه بين الفينة والأخرى يُطلَّ أحد مؤتكفة السياسة أو خفافيش الظلام، ليستنكفوا النشر متعللين بأسباب ظاهرها الرحمة وباطنها العذاب. وإنني على يقين بأن الكلمة الصادقة تظل متوهِّجة دوماً، أصلها ثابت وفرعها في السماء. وما أصدق تلك العبارة في القول المأثور المنسوب لأحد حواريي السيد المسيح عليه السلام «كلمتي لا تُردُّ إليَّ فارغة»!
        تلك أمة ولود، لابدَّ وأن يخرج من صُلبها المُخلِّص الذي سيخرج للملأ شاهراً عقله قبل سيفه. المُخلِّص الذي سيفتح أبواباً ظنها الكهنوتيون الجُدُد أنه لن يقرُبها أنس ولا جان. المُخلِّص الذي سيجعل الأرض تهتز تحت أقدامهم من بعد أن اعتقدوا إنها لن تميد أبداً. سيحتفي به هذا الشعب العظيم، وسيكرِّمه وفاءً وإخلاصاً وعرفاناً بشرفٍ لم يدَّعه، ومجدٍ سعى إليه وهو من الزاهدين. كنا قد ذكرنا تأكيداً بأن هذه من المرَّات النادرة التي تتراخي فيها مفاصل نظام ديكتاتوري حتى تصبح بضاعته الكاسدة على قارعة الطريق، مبذولة للسابلة من كل فجٍ عميق. إنها المرَّة الأولى التي يُستخدَمُ فيها سلاح التكنولوجيا في فضح أفعال وممارسات ديكتاتورية عتيدة. هي الديكتاتوريَّة الثيوقراطيَّة التي دخلنا دهاليز جهازها الذي سامنا سوء العذاب.
        عندما نصل الكهف الذي كان يلوذ به رئيسه السابق، الفريق أول مهندس صلاح عبدالله قوش، فنحن في حقيقة الأمر نود الاقتصاص للمظلومين والمقهورين الذين طالتهم يد المذكور. ولكن بما أن الشيء بالشيء يُذكر، فكثيراً ما حيَّرتني العُصبة ذوي البأس، بل ربما حيَّرت غيري أيضاً في الألقاب التي تتكرَّم بها وتقدِّمها بأريحية يحسدها عليها حاتم الطائي. فـ”قوش“ مُنِحَ أو مَنَحَ نفسه - سيَّان - رتبة ”فريق“، ولا يعرف الناس في أي معركة نال تلك الدرجة الرفيعة، اللهُمَّ إلاَّ إن كانت هذه المعركة مع مواطنين عُزَّل لا حول لهم ولا قوَّة. ولو جاز لنا التذكير ببعض حاملي تلك الرُتب الرفيعة، أنظر مثلاً في القرن الماضي، عرف الناس القائد العسكري الألماني إيرفين روميل، والذي لُقب بـ”ثعلب الصحراء“، وقد نال لقب ”مارشال“ بعد انتصارات كبيرة جاب فيها العالم طولاً وعرضاً. وفي العصر الحديث، قاد جنرال آخر أسمه نورمان شوارزكوف تحالف 28 دولة في حرب تحرير الكويت، أو حرب الخليج الثانية التي سُمِّيت بـ”عاصفة الصحراء“.. ففي أي معركة نال الجنرال ورئيسه ”المُشير“ تلك الرُّتب الرفيعة؟!  صَدَقَ أبو البقاء الرندي حين قال: «ألقاب مملكة في غير موضعها: كالهر يحكي انتفاخاً صولة الأسد»، فهل كان يعني هذه العُصبة؟!
        لكن لن نذهب أبعد ونسبر أغواراً تجلب الهَمَّ والتعاسة وإن اغتمَّت جرَّاءها العُصبة ذوي البأس. إذ يعلم الذي رفع السماء بلا عَمَدٍ، ودحا الأرض بلا مَدَدٍ، أن القصد الأساسي من نشر هذه المادة هو الإذلال، أي فضح الكبرياء الزائف الذي يتدثر به هذا الجهاز، وكشف القوَّة الوهميَّة التي يختبئ من وراءها جلاوزته، لا سيَّما، وقد ظنُّوا أنهم يقفون بمأمن من أي يدٍ تتجرَّأ للوصول لكهفهم. فالقصة باختصار تقول إنه بعد هذا الفضح المُبين، سيكتشف السُّودانيون إنهم يقفون في مواجهة نمر من وَرَقْ. فالقائمون على أمر هذا الجهاز اختبأوا وراء جبروت القوَّة ضد أفراد شعبٍ أعزل. لكن واقع الأمر أنه جهازٌ لا حول له ولا قوة. وإن أفراده، وعلى رأسهم رئيسه السابق صلاح قوش، ورئيسه الحالي محمد عطا المولي، لا يمكن الجزم بأنهم أشخاص طبيعيون كشأن سائر البشر، وذلك ليس افتراءً على شخصياتهم بقدر ما هو واقع يلتصق بكل من انخرط في هذه المهنة التعيسة!
        يجنح علماء النفس ”السايكولوجيون“ إلى أن الأشخاص الذين يعملون في هذه المهنة، ويجنحون نحو ممارسة العنف بكافة أشكاله القميئة مع خُصومهم، أو ضحاياهم على وجه الدقة، هُم شخصيات غالباً ما تكون غير سويَّة، كأن يكون بعضهم قد تعرَّض إلى مواقف معيَّنة في طفولتهم أو صباهم واستقرَّت في عقولهم الباطنة، وبالتالي يصبح أمر استدعائها ميسوراً، كلما شعروا بالحاجة للاقتصاص من ذلك الماضي اللئيم. فالذي لا مراء فيه، أن العاملين في الأجهزة الأمنيَّة والذين عُرفوا بممارسة التعذيب على ضحاياهم، يحملون في دواخلهم تراكُمات ضخمة من العُقد النفسيَّة. ولهذا نجد هذه الفئة عندما تمارس هوايتها في التعذيب والإذلال فهي في الواقع تنفس عن مكبوتاتها، أو تفعل ذلك بحثاً عن إيجاد مبرِّر لأفعال شيطانيَّة، أو أنها تثأر من الظروف التي صنعت ذلك الماضي اللئيم، أو يريدون بها مواراة تعاسة ذلك الماضي، أو أنها تنتقم من ضحاياها لتُوهمها بأنها ضالعة في ما يشعرون به من ذنوب. وأياً كانت الأسباب، فهم يجدون فيما يفعلون عزاءً تتسرَّى به نفوسهم المريضة!
        مما لا شك فيه أن ذاك الماضي اللئيم يشكِّل قاسماً مشتركاً لكثير من منسوبي جهاز الأمن والاستخبارات، لهذا فهُم لا يشعرون بعُقدة الذنب في ممارسات فردية أو جماعية. أي تلك التي يفعلونها بطقسٍ جَمْعِي، وبتبتُّل كأنهم يؤدون صلوات في مكان عبادة. ولهذا أيضاً هم لا يرون شذوذاً فيما يفعلون، بقدر ما يعتقدون أنها ممارسات طبيعية فيها راحة للنفس تسُرُّ الناظرين. فهم قد يسمعون أنين ضحاياهم كمقطوعة موسيقية رائعة، ويتخيَّلون توسُّلاتهم وكأنها لوحة رسمتها أنامل فنان بارع. بيد أن بعضهم تشُوَّهت نفوسهم نتيجة توصيفات عرقيَّة وإثنيَّة وطبقيَّة جُبِلَ على ترديدها بعض عامة أهل السودان. وهي تندرج تحت باب مُمارسات مجتمعية توارثوها أباً عن جد. وهي ذات الممارسات التي استدعاها ممَّن سموا أنفسهم بـ”منبر السلام العادل“ لمالكه وصاحبه السيد الطيِّب مصطفى، أو ”الخال الرئاسي“، كما يطلقون عليه حقيقةً وتندُّراً. والمنبر المذكور لم يكن سوى كيانٌ عرقي، تأسَّس على نيران الحقد والكراهية، لينطق عن الهوى والهويَّة، وفي ذلك ادَّعى ”العروبة“ الخالصة كصفة ليست مبلغ أهل السودان، ولا كهوية هي غاية همهم. فالهوية العروبويَّة الإسلامويَّة هي مَحْضُ أوهام، لن تجد لها عرقاً خالصاً في جينات أهل السُّودان، وبالقدر نفسه ليست عاراً حتى يُلزموا على التبرؤ منها. وتلك معركة حسمها أهل النهي وأصحاب العقول النيِّرة، عندما خلصوا بعد حوارات استمرَّت ردحاً من الزمن، إلى أن ما يمكن أن تُسمَّى بـ”السُّودانويَّة“ هي الطريق الثالث الذي يحسم جدل الهويَّة، ويُجنِّب أهل السودان رَهَقَ سفسطائيَّة قوم موسى. بل كان بالإمكان أن يجنبه انشطار ثلث البلاد. وهي أقسى جزية دفعها السُّودانيون عن يدٍ وهم صاغرون![4]
        عليه، وتبعاً لذلك، نجد أن من وراء الممارسات الشائهة لجهاز الأمن والمخابرات، تقف في كواليسه فئة منكفئة على ذواتها، تكبِّلها أحاسيس بالدونيَّة نتيجة التعقيدات المجتمعيَّة والنفسيَّة التي ذكرنا. وهو أمرٌ ليس حكرٌ على منسوبي هذا الجهاز وحدهم، بل هي في الواقع سمات وسلوكيات كل منسوبي هذه الأجهزة التي تعمل في الظلام، أي في ظلِّ نظام ديكتاتوري شمولي. للتقريب، فنضرب في ذلك مثلاً من قصص السابقين، إذ يمكن القول إنها ذات النقائص والعقد النفسية التي استغلها نظام الرئيس الروماني المخلوع نيكولاي شاوشيسكو بتجنيد ما سُمِّي بـ”السكورتات الأمنية“، ويشاركه الموبقات نفسها نظام شاه إيران الإمبراطور محمد رضا بهلوي المعروف بـ”السَّافاك“، أو ”السَّاواك“ بالفارسيَّة، وإن كان اسمه في العربية أقرب لطبيعته في ممارسات السَّفك، ثمَّ ورثته من نظام الملالي الحالي الذين حلوا محله وسموا بـ”الفافاك“ أي وزارة المخابرات، كما أن ”الحرس الثوري“ نفسه يمكن أن يضرب مثلاً. تماماً مثلما هو جهاز مخابرات نظام مانغستو هيلا ماريام المُسمَّى بـ”الدرق“، أما جهاز ”الموساد“ الإسرائيلي فذاك كبيرهم الذين علمهم الساديَّة!
        في التقدير أن منسوبي هذه الأجهزة ضحايا تماماً مثل ضحاياهم، مع اختلاف الأسباب التي أدَّت لهذا القاسم المشترك. وعليه، فغالب الظن أنهم من تلك الزاوية يتوهَّمون بأنهم يجدون في أجهزة الأمن والمخابرات، مشفى يبتغون فيه مداواة عِللهم وأمراضهم النفسية وهم لا يعلمون إنهم يزيدونها عدداً من ناحيتي الكم والكيف. لهذا لا غُرُوَّ إن كانت أحاسيس البعض نحو المبنى الذي يتخيَّلونه كمنتجعٍ راقٍ خُصِّص للرفاهية والترويح عن النفس. ولهذا لم يكن غريباً تضخم هذا الجهاز تضخماً مفزعاً بل ومقصوداً، حيث تعدَّدت أنشطته وتنوَّعت، فأصبح على سبيل المثال يدير عشرات المئات من الشركات الأمنيَّة تحت غطاءات عديدة، وكأنما في الأمر تنافُساً شريفاً. فضلاً عن ذلك، فقد أضافوا إليه الزوَّار الجُدُد الذين يعيشون في كنفهم من قيادات ”أحزاب الأنابيب“، أي الذين انشقوا عن أحزابهم الأصلية لأغراض شخصيَّة وأصبحوا يعيشون في معيَّة النظام بدراهم معدودات وامتيازات تمنح لهم شراءً لولاءاتهم وعرفاناً لخدماتهم. ولهذا ليس في الأمر غرابة إن رأيتهم يتنطعون أو سمعتهم يتحدثون بلسان الملكيين أكثر من الملك. فهُم من تمدَّد خزيهم، وتطاول عارهم من أجل إرضاء السادة الجُدُد كلما وجدوا لذلك سبيلاً[5]!
        زُبدة الحديث، يمكن التأكيد على أن جهاز الأمن والمخابرات، ووثائقه محور هذا الكتاب، استند على ساقين بغيضتين: الأولى، العنصريَّة.. والثانية، الشوفينيَّة[6] Chauvinism وفيما بينهما، كان مال السُّحت، هو القاسم المشترك الأعظم للتعبير عن أي من الفكرتين. ونزيد بعوامل أخر، علماً بأن القائمين على أمر جهاز الأمن والمخابرات، تعمَّدوا إزكاء نيران النعرات العنصريَّة القبليَّة حتى صارت سِمَة في حُكم اللاهوتيين الجُدُد. وكانت الظاهرة أكثر سطوعاً في جميع إدارات ووزارت ومرافق الدولة. ومن خلالها أديرت كثير من صراعات الكواليس بين الأجنحة المختلفة في دست الحكم. وفيما يبدو لم يكن ثمة اكتراث يُذكر من المتصارعين أنفسهم، في أن تأثيرات الظاهرة السلبيَّة تهدِّد مكونات المجتمع السوداني، لا سيَّما، وأنه يعيش في دولة قيد التكوين والتشكل. ونستدعي للذاكرة مراراً السهولة التي مضى بها انفصال الجنوب، الأمر الذي حفَّز آخرين لأن يحذو حذوه، في حين أن إزالة الأسباب التي أدَّت إلى ظهور هذه الحِمية تبدو أقل كلفةً من الانفصال. مع ذلك تداعت بعض أجزاء السودان بالسهر والحمى (سنذكر هذا تفصيلاً في فصل قادم) وإلى أن يحين ذلك، لن نقوى على الصبر فيما جاءنا بقولٍ مُبينٍ قطع قول كل خطيب!
        ما جاء به الفريق صلاح قوش في هذا الصدد كان أمراً أدَّاً، ولن يكون غريباً إن كُتب بعدئذ في لوح أهل السودان بأنه حاملُ لواء تلك الظاهرة البغيضة، بلا منافس. إذ تجلت تلك الروح العنصريَّة فيما خطه قلمٌ صحفي، الذي كتب تقريراً بعنوان: ”كنتُ شاهداً على عنصريَّة صلاح قوش“ جاء فيه ما يلي، علماً بأن المذكور ترجَّل يومذاك من رئاسة جهاز الأمن والمخابرات وإمتطى صهوة ما اسماه بمستشارية الأمن وكأن النظام ينقصها عددا! «اتصال هاتفي يوم الاثنين الأول من فبراير 2011 أتاح لي الشهادة على عنصرية بغيضة خرجت من أفواه عدد من قيادات المؤتمر الوطني في لقاء مرشح المؤتمر الوطني بالدائرة ”5“ مروي بطلاب منطقة مروي صلاح قوش مدير الأمن السابق ومستشار الرئيس الحالي. ابتدر الحديث الشاعر السر عثمان الطيب، وبعده مرشح المؤتمر الوطني في القائمة النسبية للولاية الشمالية معتصم العجيمي وأخيراً اللواء متقاعد حسب الله عُمَر، خرجت بعض الإشارات العنصرية خلال إفادات الثلاثة، دوَّنتها وأنا أتعجَّب من مستوى هؤلاء القيادات، لكن الذهول الحقيقي سيطر عليَ وأنا أستمع إلي صلاح قوش، بعد حضوره واعتلائه المنصة، وهو يقول للطلاب: «نحن بنينا السودان لكن ما اهتمينا بي أهلنا، وبعد دا الناس يقولوا الجماعة مسيطرين على الحكومة، ناس دارفور عندما يقابلونا في خلال اللقاءات يقولون لنا إننا سنأتي إلى مروي ونغتصب نساؤكم، وكنا نقول لهم نحن ما زيَّكم، وقت نبقي زيكم ممكن تغتصبوا نسوانا، نحنا فاشلنا بمشي للطورية، وناجحنا بمشي للعسكرية، عشان كدا نحن العسكرية نجحنا فيها شديد، وما ممكن زول يقدر علينا، ونحن عملنا كتيبة خاصة لحسم الناس ديل لو جو، لكن أولادكم للأسف شَرَدُوا منها، وما اهتموا بالموضوع»... ويضيف الصحافي مختتماً تقريره بقسم كأن ما قاله لن يُصدِّقه أحد: «أقسم بالله إنني سمعتُ هذا الحديث، ومعي أكثر من 100 طالب وخريج من أبناء مروي»!![7]
        لكل امرئ يومئذٍ شأنٌ يُغنيه، كما قال المولى تبارك وتعالى. فهذا حديث ارتجَّت له أركان البلاد الأربعة فيما نظن، ويكاد المرء يشعر بتململ أرواح الوطنيين في أجداثهم، ومنهم من نذر عمراً ووضع روحه على كفه من أجل وحدة السودان بحقبها التاريخية المختلفة. ومنهم من تكسَّرت تحت نصالهم وقوة إرادتهم مشاريع المستعمرين بمختلف جنسياتهم وتبايُن مآربهم. صحيح أن نظام العُصبة الحاكمة تطرَّف في أيديولوجيته، ولكن لم يكن متوقعاً أن يتطرَّف في عنصريته بمثل ذلك السفور والمباشرة. المفارقة أن الدين ”الإسلامي“ الذي منه يدَّعون استمداد مرجعيتهم، استندت كثير من نصوصه القرآنية والأحاديث النبوية على نبذ العنصرية، لأنها منتنة، على حدِّ قول الرسول الكريم: «حدثنا عمرو بن دينار، سمعت جابر بن عبدالله ”في الصحيحين“: كنا مع النبي صلى الله عليه وسلم في غزوة، فكسع رجلٌ من المهاجرين رجلاً من الأنصار، فقال له الأنصاري: يا للأنصار، وقال المهاجري: يا للمهاجرين، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ما بال دعوى الجاهلية؟  قالوا يا رسول الله: كسع رجل من المهاجرين رجلاً من الأنصار، فقال: دعوها فإنها منتنة»! وهو القائل أيضاً: «لا فضل لعربي على عجمي إلا بالتقوى»، وقال الله سبحانه وتعالى في محكم تنزيله: {يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ...} (الحجرات - 13).. وقال أيضاً: {إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ...} (الحجرات – 10) وتأتي تلك كدلائل وبراهين لتؤكد أن نظام العُصبة السودانية اتّخذ من الدين وسيلة لتمرير أجندته السياسية.
        واقع الأمر إن اصطراع العرق والأيديولوجيا كان يمور في صدور كثير من الإسلامويين. وجاءت أحداث بعينها لتثبت ما كان دائراً في الخفاء ردحاً من الزمن. فقد تغلبت العصبية القبلية في أحايين كثيرة على الرابطة العقدية، في حين نجد أن غريزة المصالح الخاصة وأشياء أخر، كانت تفور في الصدور بما يصعُبُ الإفصاح عنها. ولنضرب مثلاً بقصة ميلودرامية تقطع نياط القلوب، حتى ولو كان الذي تجرَّع مرارتها من العُصبة نفسها. ففي خضم الصراع بين الإسلامويين بعد انقسامهم إلى مؤتمر وطني وشعبي، اختفى ”محمد الخاتم موسى يعقوب“، ووالده كما هو معروف أحد العُصبويين الذين قضوا عمراً في رحاب التنظيم، ويُعَدُّ من القيادات الإعلامية البارزة في الحركة وكذا السيدة والدته. بغريزة الأمومة والأبوة معاً، طفقا يبحثان عن ابنهما حتى خارت عزيمتهما، واستسلما لقدرهما دون أن يقويا على البحث أكثر مما فعلا. ورحلة البحث تلك يضيق المجال عن سرد تفاصيلها الدقيقة التي جاءت على لسان الوالدين في اكثر من موقع، وصفا فيها ما حدث وجهودهما في طرق باب أي مسئول توسُّلا أو تسوُّلا - سيَّان - عنده حلاً لمصيبتهما، والقصة بتفاصيلها لا تخلو من عجائب وغرائب ومفارقات لن يجد المرء لها مثيلاً إلا عند من اتخذ الدين وسيلة لتحقيق مآرب خاصة لا علاقة لها بالعقيدة وسماحتها.
        تلك القصة لم يعلم بها قادة العُصبة فحسب، بل وصلت حتى (الرئيس) المشير عُمَر البشير، مروراً بنائبه علي عثمان طه، وانتهاءً بثالثهما أحمد إبراهيم الطاهر، رئيس الجهاز ”التشريعي“، وقلنا انتهاءً لأن الأخير هذا استقرَّت القضية على طاولته برُمَّتها، ذلك باعتباره المسئول عمَّا يُسمَّى بـ”لجنة المحاسبة“ في الحزب. وسواء صدقاً أو كذباً، قال الأبوان: إنه تكوَّنت ثلاثة لجان للبحث والتقصي، ومع ذلك لم تستطع فك طلاسم القضية التي أصبحت لغزاً في أذهان العامة، وإن بَدَت واضحة المعالم في أذهان خفافيش الظلام. هل يصدِّق أحداً في البشرية، حتى ولو كان ساذجاً أن رئيس دولة يأمر بتشكيل لجنة للبحث في قضية فرد حول موضوع معيَّن أياً كانت طبيعته، تعود بخفي حنين؟!  هل لعاقلٍ أن يأتمن رئيس في حياة أمة وقد عجز عن حل قضية فرد؟!  هل تلك دولة غاب، أم دولة تحكمها قوانين وتشريعات؟!  كم مثل هذا اختفى في ظروف مماثلة أو مغايرة، وأهله لا يعرفون طريقاً لرئيس الجمهورية؟!  بل هَبْ أنهم يعرفون، فهل كان بوسعه أن يفعل لهم أكثر مما فعله لأخيه في العقيدة والوطن، كما يقولون؟!  بالطبع هذه أسئلة تعبث بذهن من كان مثلي وهو يعلم أنها لن تجد إجابة شافية.. لأن من يعلم نام قرير العين هانئها!
        صفوة القول إن القضية التي تطاولت لأكثر من خمس سنوات، لم يعرف حتى الآن ما إذا كان المختفي قسراً، حي هو أم ميِّت. وبالطبع، فمن باب الاجتهاد يمكن القول إن الثابت في حيثيات الأسباب، هو أن الشاب المختفي أحاط نفسه بكمية من المعلومات والأسرار التي خشي أصحابها من المصير نفسه، ولم يجدوا غير هذه الوسيلة القذرة، أي اللجوء إلى ما حرَّم الله، وهو القتل.. أو ما حرَّم الإنسان، وهو الاختطاف والحبس القسري في مكان يصعُبُ الوصول إليه. لا يعرف المرء ما هي مشاعر السيد موسى يعقوب الحقيقية بعد هذه المحنة، ومدى تقلبه بين فقه المصالح الذي يحكم كثير من قيادات الحركة الإسلاموية، والأيديولوجيا التي أفنى فيها عمراً، والقبيلة التي يلوذ بها الإسلامويون حينما يدلهم ليلهم وتتفرَّق بهم السُبُل. وما حدث لابن يعقوب يماثل ما حدث للمهندس علي البشير، الذي اغتيل بدمٍ بارد أمام أسرته (سنستعرض هذه القصة وفق تفصيل في فصل قادم) ونكتفي بالإشارة إلى أن المغدور كان ضحية صراع الأيديولوجيا والسلطة، ولم يكن وحده، فقد لحق به آخرون قضوا نحبهم بصورة أكثر ميلودرامية، ومنهم من ينتظر!
        أما العنصر الثاني في كتاب جهاز الأمن والمخابرات، فقد كان ”المال“ كما ذكرنا من قبل، والذي كان ديدن الفريق أول صلاح قوش إبان رئاسته الجهاز، وهذا ما ستكشف عنه الوثائق التي ننشرها في هذا الكتاب. الواقع أنه ليس وحده في هذا المضمار، فمعظم - إن لم نقل كل - رجال الأمن والمخابرات لديهم قناعة كاملة إنه بالمال وحده يحيا الإنسان، وهم يظنون إنه الوحيد الذي يمكن يصهر الحديد ويفتت الصخر العصيَّا، فلذلك هُم لا يألون جهداً في استخدام هذه الوسيلة مع أصدقائهم وأعدائهم معاً. بل إن الإستراتيجية تحتم على أن تغدق الأموال على الكادرات قبل الضحايا. ولهذا نجد أن الكادر الأمني يحاصَرُ مالياً بــ”كماشة“ من قبل المؤسَّسات المالية التابعة للتنظيم، مثل بنك أم درمان الوطني، بنك فيصل الإسلامي، بنك التضامُن، وبنك الشمال، أو الشركات التي تتبع لجهاز الأمن، مثل تلك التي ورد ذكرها، أو المنظمات التي تدَّعي العمل في المجالات الإنسانية وما أكثرها، فجميعهم يقدِّمون خدماتهم المباشرة من قروض وتسهيلات ومنح وامتيازات مختلفة المشارب، وبالتالي حتى يتسنى للكادر التنظيمي أن يدافع عن مصالحه الخاصة حدَّ التضحية بحياته، وهي في باطنها مصالح التنظيم. وهذا يفسِّر لنا عدداً من الظواهر الشاذة التي حاصرت المجتمع وأطبقت على خناقه، مثل الحالات التي يقود فيها البعض آبائهم وإخوانهم إلى السجون وبيوت الأشباح، بدعوى أنهم يدافعون عن مشروع عقدي إسلامي، ويمكنه أن يستشهد ويستند على آيات العقوق تبريراً لفعله.
        من أجل هذا كلنا يعلم أن جهاز الأمن الأخطبوطي بدأ ينشر حبائله حول الشباب مستغلاً ظروف الفقر والعوز والحاجة والبطالة المستشرية في أوساطهم، وفي ذلك يتبع طرقاً لا يأتيه الشك من بين يديها ولا من خلفها. كمثل الإعلان عن وظائف مهنية محترمة في الصحف السيارة، وأخرى بشروط بسيطة وسهلة، وبالطبع لا حاجة لأي خبرة، لأن المتقدِّم يخضع لخبرات أُخر. والمعروف أن من يقع أسير جبروت المال يسهُلُ اقتياده وغسل دماغه والسيطرة عليه في القيام بمهام يمكن أن ترقى أحياناً لدرجة القتل.. أما التعذيب والتنكيل، فهذه من المهام التي يؤديها الكادر بإخلاص كأنه يؤدِّي خدمة وطنية، أو يعمل عملاً صالحاً يبتغي به الجنة!
        أما العنصر الثالث، فهو ممارسات المشوَّهين نفسياً، وهي صفة تطلق على الذين تمزِّقهم أشياء معينة تقودهم إلى التفكير في الانتقام من المجتمع في شخص الضحية الذي تضعه الأقدار بين أيديهم. وهؤلاء هم الذين لا يتورَّعون في استخدام كافة الوسائل اللا أخلاقية.. قرأتُ في موقع سودانيز أونلاين الشهير www.sudaneseonline.com شهادة لأحد المُعذَّبين (بفتح الذال) في بيوت الأشباح، قال إنه طلب من سجَّانه أن يؤدِّي الصلاة، فقال له الأخير: ”الله في إجازة هنا“.. وكتب آخر مؤكداً أن المُعذِّبين (بكسر الذال) يقومون للصلاة بخفة زاهدٍ متعبِّد، ويقفون بين يدي الله رُكَّعاً خُشَّعاً يبتغون فضله، وسيماؤهم في وجوههم من أثر السجود. وأكد أن بعضهم ترى الدموع تطفر من مقلتيه، وهم يتلون بتبتُّلٍ شديد آيات الله بصوتٍ رخيم.
        في كلٍ، ليس في الأمر عجب أن قاموا إلى مهامهم المقدَّسة عقب السلام مباشرة ليواصلوا الواجب الوطني. واقع الأمر، وفق ما يرى عُلماء النفس، فالذين كانوا يبكون في صلواتهم، تُبهجهم دموع ضحاياهم وهُم يتلوُّون ألماً بين أيديهم، كما أن من كان ساجداً خاشعاً قبل حين، تُطربه آهات ضحيته وهو يكثر التوسل له، مثال لذلك ما سُمِّي بـ”فتاة الفيديو“ المجلودة، وجلادها من سُمِّي بـ”قدو قدو“ يقهقه طرباً لتوسُّلاتها التي تقطع نياط القلوب، بل إن كثير من الذين تعرَّضوا لتعذيب في البيوت سيئة السمعة التي أطلق عليها ”بيوت الأشباح“ أجمعوا على أن مُعذِبيهم كانوا يمارسون حياة طبيعية أثناء فترات الراحة بين وجبات التعذيب. أي كانوا يضحكون ويقهقهون ويأكلون ويشربون بتلذُذٍ بالغ، رغم أنهم يكونون قد نسوا بقايا دماء من ضحاياهم، رشحت في ملابسهم أو التصقت بأجسادهم أثناء حفلات التعذيب. أو ربما يكون الضحية نفسه لم يذُق طعاماً ولا شراباً وجلاده يمضغ أمامه الأكل بتلذذ يثير لعاب الجائعين. فالكثيرون غُسلت أدمغتهم Brain washing على أنهم يفعلون ذلك تقرباً وزُلفى لله ربِّ العالمين.
        بل ليس في الأمر حرج إن ذكروا لضحاياهم إنهم يفعلون ذلك بناءً على أوامر ربَّانية، بزعم أن عُصبتهم هي ظلُّ الله في الأرض، والحاكمة باسمه. ولعلَّ هذا ما عناه تحديداً الدكتور نافع على نافع، الراعي الرسمي لبيوت الأشباح سيئة السمعة، وهو الذي تقلد مهام الجهاز في أحلك سنواته (نوفمبر 1989 إلى سبتمبر 1995) إذ قال في حوار مع صحيفة البيان الإماراتية 16/7/2005: «أحسن ما في الجهاز أنه كان فيه مجموعة من البشر متجرِّدة، كانت ترى أن مراعاة حق الله تعالى وحق عباده أهم لها.. نحن لسنا جهاز حكومة تحكم فقط، فلا نفعل شيئاً يضرنا لمصلحة حاكم، وهذه القيم الأخلاقية كانت هدفاً لنا في الجهاز»... نافع علي نافع، قائل الحديث أعلاه، هو نفسه الذي كان يشارك في حفلات التعذيب التي يتعرَّض لها المعتقلون، ولم يسلم من ذلك حتى أستاذه وزميله فيما بعد، د. فاروق محمد إبراهيم، الذي وثق لما ذكرنا بمذكرة مفتوحة وتابعها قضائياً[8]!
        لم يُعرفُ لنافع على نافع تاريخاً في الحركة الإسلامية، فهو من الوجوه التي ظهرت بغتة كما الكابوس ولم يكن شيئاً مذكورا قبل الانقلاب، سوى وجود محدود. والواقع أنه ظهر بعد فترة من حدوث الانقلاب، وذلك بعد أن احتار كثير من المعتقلين في الشخصيَّة الملثمة التي تطوف على المعتقلات السريَّة والعلنيَّة، تُصدر الأوامر بشهيَّة مصَّاصي الدماء، إلى أن أزيح القناع عن وجهه بالقرائن على طريقة أهل السُّودان، وبالبحث عن ماضيه، اهتدى الناس إلى أنه عمل لفترة من حياته في كليَّة الزراعة. وشاعت أخبار على أنه اختفى لفترة من الزمن لم يُعرفُ له فيها مقراً، وذلك إبان حقبة الديمقراطية الثالثة. وتردَّد أن نافع عاد مجدَّداً بعد نجاح الانقلاب ليتولى تلك المهمة ”الأمنيَّة الأخلاقيَّة“ على حدِّ تعبيره، وبالطبع فقد تخرَّج على يده كثيرون من الكوادر النُجباء، ومنهم تحديداً تلميذه صلاح عبدالله قوش الذي خطط بعد سنين، أي بعد أن اشتدَّ ساعده، وعزم على رمي أستاذه المذكور، لكن الأخير كان له بالمرصاد.. وتلك نقرة أخرى سنعود فيها لسيرة الاثنين معاً في فصول قادمة.
        لابدَّ لمن يستعرض سلوكيات جهاز الأمن والمخابرات أن يتوقف كثيراً عند ثقافة التعذيب المؤدلج باعتبارها تتقاطع جذرياً مع مكوِّنات الشخصية السودانية المجبولة على التسامُح، فضلاً عن تضادِّها أصلاً مع العقيدة السمحاء كما وضحنا سلفاً. فقد رأى البعض أن ما كان يقوم به أفراد جهاز الأمن والمخابرات في ظلِّ دولة أصحاب الأيادي المتوضئة يُعَدُّ شيئاً نكراً. أي أنه سلوك غريب لا يتسق والصفات الوديعة التي تتصف بها الشخصية السودانية. ويستدلون بذلك على أن الانتهاكات التي حدثت في ظلِّ النظامين الديكتاتوريين اللذين سبقا النظام المذكور لم تَرْقَ إلى مستواه لا من ناحية الكم ولا الكيف، وإن كانت هذه الملاحظة لا تنسخ عنهما الفعل المشين نفسه. لكن فيما ذكرنا يتضح أن التعذيب يُعَدُّ جزءً مهماً في تدريب كوادر الحركة الإسلامية بمنهج لا يمُتُّ بصلة لأدبيات وأخلاق الدين التي تحض على اللين والتسامُح ومكارم الأخلاق، ولنا في هذا مثلاً!
        قبل عدة سنوات ألقي القبض على أحد العناصر الأمنية كان ينوي القيام بمهمة مقدَّسة خارج الحدود تشمل سودانيين وغير سودانيين قال: «نأخذ محاضرات أمنية ودورات مقاومة التعذيب والندوات الدينية والمحاضرات عن المسلمين في شتى أرجاء العالم»... وأضاف: «هناك التدريب العسكري المكثف والشاق يعطيك الطاقة وتقوية روح التحمُّل، ثم محاضرات بهذا الخصوص، وفي اليوم الأخير أذكر كان لنا برنامج مقاومة التعذيب يوم الخميس. تناولنا وجبة الإفطار، ثم اتجهنا إلى المسجد لأداء الصلاة وتلاوة القرآن. ولم يأت نداء الصفارة، وأتت الظهرية ولا جديد يُذكر، واستمرَّ الوضع على هذا المنوال. وفي حوالي الساعة الواحدة صباحاً حيث أتت سيارة شاحنة تحمل جنوداً شرعوا يصرخون، الخيانة، الخيانة، مؤامرات تريدون قتل الشيخ حسن الترابي وقاموا بربطنا وتعرَّضنا لتعذيب شديد في اليوم الأول...» ثم استطرد في سؤالٍ آخر مفسراً هذا الإجراء: «كانوا ينهالون علينا ضرباً، وبعد اليوم الثامن قالوا لنا كان هذا درس في مقاومة التعذيب ولا يعتبر قاسياً بالمقارنة مع ما عانوه الإسلاميون المصريون على يد جهاز الأمن المصري...». كان هذا مقتطفات من محضر الاعترافات الكاملة لضابط أمن قُبض متلبساً وما زال يرزخ في سجون دولة مجاورة، بالرغم من تحسُّن العلاقات بينها والنظام[9].
        استطراداً في هذا الأمر، نما لعلمنا أنه يتم التمهيد لثقافة التعذيب بالنسبة للكوادر المنتخبة، بالتربية العنيفة في إطار عزلة اجتماعية صارمة، يحصر فيها الكادر نفسه بصورة أقرب إلى اعتزال الناس والحياة، أو بما يمكن تسميته بـ”القوقعة“ ولهذا يمكن أن ترى أثر ذلك في جفاف ينابيع الإبداع الإنساني بصورة عامة لدى معظم كوادر الحركة الإسلاموية. فغالباً ما تجدهم عاطلي المواهب الأدبية والفنية والإبداعية بشكل عام، بل حتى الرياضية، بما في ذلك كرة القدم الأكثر شعبية في السودان. وكتبرير للفقر الإبداعي يطال التحريم هذه المناشط باستخدام الدين للتبخيس عن جدواها بدعوى أن الدنيا ومباهجها دار غواية ونعيم زائل، للتأكيد يرددون آيات من القرآن في غير موضعها، مثل قوله تعالى: {وَمَا الحيّاةُ الدُّنيا إِلَّا لَعِب ولهْوٌ وللدَّارُ الآخِرة خيرٌ للذين يتّقون أفلا تعقِلُون.....} (الأنعام - 32).. أو كقوله تعالى: {ومِن النَّاس من يَشْترِي لَهْو الحَدِيث لِيُضِلَّ عَن سَبِيل الله.....) (لقمان - 6).. في حين أن هذه المباهج حينما يتعلق الأمر بالمال واكتنازه والجاه والتمرُّغ في نعيمه، يستشهدون لك بقول الله تعالى: {وأمّا بِنِعمة ربِّك فحدَّث....} (الضحى - 11)، أو عندما يتعلق الأمر بالزواج والإكثار منه، فإنهم يعيدون عليك قوله تعالى: {وابْتغِ فِيمَا أتَاك الله الدَّارَ الآخِرةَ ولا تَنْسَ نصِيبَك مِنَ الدُّنْيا.....} (القصص - 77)، علماً بأنهم يحفظون الآية التي تحض على الزواج كأنما ليس في القرآن سواها.. فيُثنون ويُثلثون ويُربِّعون، ثم يغُضُّون الطرف عن شرط العدل، كأنما المخاطبين صُمٌ بُكمٌ عُمي! هذا إذا لم يلجأوا لحيلة أخرى من حيل الزواج الذي تعدَّدت مسمياته!
        مقابل البؤس في العطاء الذي ذكرنا، لا يجد الإسلامويون في أنفسهم حرجاً في التعبير عن ثقافة العنف، كلما وجدوا إلى ذلك سبيلاً. أليس هُم من بَرَعَ في استخدام الأسلحة اليدوية في المعاهد والجامعات؟  أليس هُم من أسفر عن مواهب كادت أن تغطي على مواهب ”نوبل“ في صنع المفرقعات والمولوتوف وما جاورهما؟  وتأتي قصة الحادثة الشهيرة المُسمَّاة بحادثة ”العَجَّكو“ كدليل واضح للمُفارقات آنفة الذكر. حدث ذلك في العام 1968 أثناء عرض مسرحي أقامه طلاب الجبهة الديمقراطية، وكان يتضمَّن أداء رقصة مشتركة بين الطلبة والطالبات من التراث الغنائي لغرب السودان وسُمِّيَت بــ”العجكو“، الأمر الذي اعتبره طلاب الاتجاه الإسلامي شيئاً مثيراً للغرائز الجنسيَّة، ورجساً ينبغي اجتثاثه بالسيخ والمولوتوف... ومن عجب أن الدكتور عبدالرحيم علي رئيس مجلس شورى المؤتمر الوطني السابق ما زال يفتخر بكونه أحد فرسانها!
        لهذا لا غُرُوَّ أن جاء كادر موتور من ذات الجماعة بعد ما يناهز النصف قرن على الحادثة المذكورة ليدعو بالاحتفاء بها، باعتبارها معركة قومية.[10] وبما أن الحماقة بالحماقة تُذكر، لابد من أن حادثة حاج ماجد سوار، وزير الشباب والرياضة ومسئول التعبئة السياسية في حزب المؤتمر الوطني، قد حلقت في سماء عارفيها، ونعيدها أيضاً لتُلقي الضوء على ما ذكرنا. فالمذكور من فصيلة الدبَّابين[11]، وكان يمكن أن يكون نسياً منسياً لولا طموحه الجامح لتصدُّر صفوف رفاقه، والذي قاده لأن يتبوأ منصباً وزارياً، وأي منصب، فقد عُيِّن وزيراً في الوزارة المعنية بالشباب والرياضة، فتأمَّل - يا هداك الله - تلك المفارقة التي يمكن أن تسقط الأجنة من الأرحام. فقد قام المذكور كنتيجة للشحن العقدي الأيديولوجي بصفع أستاذه الدكتور علي سليمان عميد كلية القانون، ضارباً بأمير الشعراء أحمد شوقي أيضاً عرض الحائط، وهو القائل أشهر وأعظم بيت شعر في ضرورة احترام المعلم على الإطلاق!
قُمْ للمُعلِّم وَوَفِّه التَبجِيلا  ***  كَادَ المُعلِّم أن يكُونَ رسُولاً
        في ختام هذه المقدِّمة، يمكن القول إننا هدفنا إلى توجيه الأنظار نحو أهم المحطات التي تشكل مادة هذا الكتاب، ونسلط عليها الضوء حتى يكون القارئ العليم بصيراً بالدروب الوعرة التي سنقطعها معاً. وذلك بغية الوصول للنهاية التي نأمَلُ أن نضع بها الأنشوطة حول رقبة العُصبة ذوي البأس. من هذا المنطلق، نحن نستخلص مآلاتها ودلائلها والملابسات التي تحيط بها، وهي كما نعلم تقف منتصبة تشخص أبصارها، ولن يمحها الزمن بتقادمه، وهي كالتالي:-
  1. أولاً: عودة على بدء، سيبقى السؤال الحائر الذي لن تستطيع العُصبة له إجابة صريحة، بل حتى وإن تحايلت، فسيظل ما حدث لغزاً يورثها عسراً ويرهقها قتراً. ونعيد التساؤل مرة أخرى: كيف يمكن لمصدرنا أن يقتحم معقلاً حصيناً من معاقل العُصبة، وهو المعقل الذي صرفت فيه البلايين من أموال الشعب السوداني، لا من أجل حماية أمنهم القومي، ولا من أجل حياة حرة كريمة لشعبه، بل على العكس تماماً، ذاك جهاز صُمِّم من أجل تثبيت أركان النظام عن طريق إذلال الوطن ومواطنيه. فبحسب المُعلن من الميزانيات العامة سنوياً، ظلت العُصبة الحاكمة تخصِّص، وعلى مدى أكثر من عقدين من الزمن، أكثر من ثلثي الميزانية العامة، لقطاعي الأمن والدفاع، أي ما يُعادل 70% منها أو يزيد قليلاً.. فعلى سبيل المثال نجد أن الميزانية الأخيرة، بل في كل الميزانيات، خاصة بعد استخراج البترول وتصديره في العام 1999، دائماً ما تخصص النسبة أعلاه، في حين يتم تخصيص أقل من 10% لقطاعي الصحة والتعليم. ومثل هذه الأرقام أصبحت بنداً ثابتاً. زد على ذلك، فالرئيس الذي يسكن القصر الذي بناه غردون، يستمتع وحاشيته بنحو مليون دولار شهرياً، هي عبارة عن مخصَّصات ومنصرفات مؤسسة رئاسة الجمهورية[12]. يحدُثُ هذا في بلدٍ لا يجد الأطفال فيه لقيمات تسد رمقهم قبيل أن يذهبوا لمدارسهم في الصباح الباكر، وحتى عندما يذهبوا لهذه المدارس، فلن تكون كراسي الجلوس مرفوعة في انتظارهم، ولا الطاولات مبثوثة لتتشرَّف بمقدمهم. فالآلاف منهم ما زلوا يفترشون الأرض، ويكتبون على ترابها، أي الصلصال الذي منه خلقوا وإليه يعودون!
  2. ثانياً: لا شك أننا جميعاً نسعد للتقدم التكنولوجي والتقني الذي تصاعدت وتائره حتى سلب الدهشة طعمها الجميل. ويسعد الديمقراطيون بشكل خاص، والمؤمنون بالنهج الديمقراطي بصورة عامة في أنه تمَّ تطويع واستخدام التقنية الحديثة في مقاومة الأنظمة الشمولية والديكتاتوية (لعبت بعض المواقع الإسفيرية دوراً مقدراً ومؤثراً في كثير من الثورات والانتفاضات التي اجتاحت بعض دول العالم، مثل ”تويتر“، و”فيس بوك“ والهواتف النقالة، بالإضافة للبريد الإلكتروني).. ليس هذا فحسب، بل إن تلك المواقع ظلت تلعب دوراً هاماً في تحديد مسارات الناس السياسية وخياراتهم الثقافية، إلى جانب نمط حياتهم الاجتماعية. وهو تقدُّمٌ تعود فيه فضل الريادة للغرب ”الصليبي“، وحتى لا تستغرقهم نظرية المؤامرة كما يجنح الكثير منهم كلما رأوا ومضة تقنية تتلألأ في الأفق. ويمكن القول إن ذلك التقدم التكنولوجي لم يتخيَّر مستخدميه، ويكفي الاستدلال بـ”أسانج“ الذي أسَّس أشهر موقع ”ويكيليكس“ كما ذكرنا... ولم يستخدم في ذلك سوى عقل جبَّار، استطاع أن يخترق به حصون أحد أهم المؤسَّسات الأمريكية بصورة كادت أن تُفقدها وقارها. فالغربيون على اختلاف مللهم ونحلهم – وفيهم من يتبعون الإسلام ديناً – هُم من ألهمونا هذه الوسائل الرائعة دون دمغها بدينٍ أو عقيدة سياسية معيَّنة. الأمر الذي حدا ببعض الأنظمة لأن تعيد البصر كرَّتين، قبل أن تُقدم على خطوة كانت تستسهلها من قبل. ذلك ما يعزِّز مبدأ الشفافية نحو حُكم راشد أو ما سُمِّي بـ”الحوكمة“Good Governance  بحسب المصطلح الحديث الظهور. الأمر الذي يعزِّز مبدأ الرقابة أيضاً على الأنظمة الديكتاتورية. وبالتالي تضاءلت ”الحصانة“ إن لم نقل ”الغفلة“ التي كانت تتوارى خلفها الأنظمة القمعية الديكتاتورية. إذ لم تعُد مقاومتها تستوجب أن يضرب المرء أكباد الإبل، بل صارت تلك المهمَّة النبيلة في غاية اليُسر، لا تتطلب سوى جهاز كمبيوتر في حجم كفة اليد! علماً بأنه ليس مطلوب من هذه التقنية استولاد المبادئ، بقدر ما المطلوب توصيلها لنهايتها المنطقية!
  3. ثالثاً: ترى لماذا نقول ذلك؟  حسناً، فلنضرب مثلاً بكتابنا هذا. فمؤلفه كما تعلمون عبدٌ فقير إلى ربه، يعيش وأسرته في ضاحية صغيرة بالقرب من مدينة كبيرة في ولاية من ولايات الغرب الأوسط الأمريكي. وهو خيارٌ لم يكن له فيه يد، بقدر ما هي خطىً كُتبت عليه وعلى غيره، جرَّاء ممارسات القمع والإقصاء واضطهاد الرأي الآخر في الوطن الأم. مع ذلك لم يقف البعد الجغرافي حائلاً في التواصُل الطبيعي، فبرغم آلاف الأميال يظل الوطن أقرب إليك من حبل الوريد. فعباد الله المبعثرين هؤلاء يُطلون على الدنيا بأجمعها من خلال شاشة صغيرة، تأتيك بالأخبار متى ما طلبتها، والطالب قابع في عقر داره. من هذا المنطلق لك أن تتخيَّل يا قارئي العزيز، سعادتي وأنا أتلقى مادة هذا الكتاب، ومحورها قضايا طالما سهر الخلق جرَّاءها واختصموا. لقد اختصرت التكنولوجيا عشرات الآلاف من الأميال، فما ظنته الأنظمة الديكتاتورية بعيداً كان قريباً من حيث لا يعلمون. ولا شك أن القارئ الكريم يدرك تماماً إننا نتعامل مع عُصبة سوَّلت لها نفسها أن تفعل ما تريد في شعب طيِّب الأعراق. ولا شك أنه فيما نحن بصدده يقول إن جبال الظلم قصيرة حتى لو استطالت، وأن سُحُبُ الاستبداد فقيرة، حتى وإن أمطرت. لأن دولة الظلم ساعة، ودولة العدل إلى قيام الساعة.. هذا لو كانوا يعقلون!
  4. رابعاً: من أجل ذلك، لعلَّ الهدف الأساسي من نشر هذه الأسرار مدعَّمة بالوثائق المُحكَمَة، هو رسالة لمن توهَّم أنه في بروجٍ مشيَّدة، وهو لا يعلم أن الحِرص الحقيقي يتمثل في الشفافية، والحذر المطلوب تأتي به الديمقراطية، والأمان الحقيقي يكمُنُ في العدل والإنصاف. وليتهم يعلمون أن الفَضْحَ لن يتوقف في الحيِّز المنشور، فهذه مجرَّد بداية ونقطة في بحر، متى ما هاج وماج سيُغرِقُ كثيرون في لُججه العميقة. فلا يظننَّ من تسوَّر بالبراءة إننا أتينا على كل شيء، فثمَّة أطنان من التاريخ السري البغيض تنتظر الاستجلاء. ما يزال هناك الكثيرون الذين قُتلوا غدراً وغيلة ولم يعلم بهم أحد. وهناك من اختفى من عيون أسرته كما تختفي النسمة الباردة في عزِّ الهجير. ومن هؤلاء الشاعر الرقيق ”أبا ذر الغفاري“، كان يمشي بين الناس بشراً سوياً وفجأة اختفى وصار لغزاً عصياً! هل لأحد منَّا يمكن أن يتصوَّر حال أمٍ مكلومة لم تستطع أن تعرف ما إذا كان ”ضناها“ حياً فيُذكر، أم ميتاً فيُقبر. ستعلم العُصبة أن أسرار عقدين من الزمن أصبحت في الهواء الطلق، ونقول نحن: من حق الذين حيكت باسمهم، ومن حق الذين كانوا ضحاياها في الخفاء أن يطلعوا على سيناريوهاتها المُخزية. ومع ذلك، فإننا من باب الانحياز لقيمنا وأخلاقنا ومُثلنا سنُحجم عن نشر أشياء، نعلم أننا لو أمطنا عنها اللثام لهَدَمَت صوامع وبيع وبيوت. وهذا ليس حجباً مطلقاً، فكل شيء بمقدار، ولكل حادثة حديث، كما يقولون في المأثورات!
  5. خامساً: في سياق التفصيل في وثائق هذا الكتاب، نشير إلى أن مادة الوثائق الرئيسية هي عبارة عن رسائل متبادلة بين الفريق أول صلاح عبدالله قوش رئيس جهاز الأمن والاستخبارات السابق، والذي حدثت إقالته أثناء تأليفنا هذا الكتاب، وأظنها كانت ستحدُثُ لا مُحالَ عند ظهور هذا الكتاب، مع اختلاف الحيثيات، فإقالته التي حدثت كانت بسبب صراع محتمل على السلطة، أو هكذا توجَّس المشير البشير الذي أوصل له ”الوُشاة“ عبارة مختصرة قالها قوش: «أستطيع أن أقلع السلطة دي في ثلاثة ساعات»، ويبدو من السياق أنه كان جاداً، وحتى إن لم يكُن، فإن تبريره الذي ادَّعى فيه الغضب للمعنيين بالرسالة لم يشفع له. فاقتلعه ساكن القصر في ثلاثة دقائق. والمُفارقة أنه قوش نفسه الذي دعا معارضيه أن يقتلعوا السلطة بالبندقية مثلما اقتلعها هو بالبندقية (أنظر مقالنا في المواقع الإسفيرية السودانية، أو قوقل، بعنوان: ”من يحكم السودان“ 10/6/2011).. أما في الحالة الثانية، أي بافتراض أنه كان سيُقالُ من منصبه عند نشر هذه الوثائق، فذلك أمر سيكون مستبعداً أيضاً.. لماذا؟  لأن معيار الولاء ببساطة في سلطة أصحاب الأيادي المتوضئة هو أن تفسد لكي ترتقي سُلَّم المجد، ذلك مثلما حدث ”للواء“ عبدالرحيم محمد حسين، الذي نجم عن فساده انهيار عمارة جامعة الرباط يوم 22/2/2005 بجاردن سيتي، وأشارت التحقيقات بأن العمارة المنهارة دَفَنَت في ركامها معدات بأكثر من 12 مليار جنيه (بالقديم) بالإضافة لقيمة المبني، أي ما يعادل 6 مليون دولار بحسب حديث المهندس محمد حسن سيِّد، مدير شركة رويال الهندسية، التي نفذت المشروع في مؤتمر صحفي نُشر يوم 1/3/2005، نفى فيه صلة القُربى بوزير الداخلية اللواء حسين، ولكنه أكد أن شركته هي المنفذة لمنزله الخاص: «ولكنها تعاملت مع الوزير تعامُلها مع أي عميل أو زبون للشركة»، وأن هناك: «مديونية بلغت 30 مليون جنيه في ذمَّة الوزير، تمَّ تسديدها لاحقاً من عائد إيجار المنزل لإحدى شركات النفط»... رويدك يا عزيزي القارئ، الذي حدث أن ”اللواء“ حسين في خطوة غير مسبوقة في تاريخ العُصبة ذوي البأس تقدَّم باستقالته، والتي نورد نصها هنا ”بأخطائها“ لتوثيق يُنتظر به يوماً عبوساً قمطريراً:
اخى الكريم المشير عمر حسن احمد البشير
رئيس الجمهورية
حفظكم الله ورعاكم
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
طلب إعفاء
  1. بالقرار الوزاري رقم 49 «2005» بتاريخ 2 مارس 2005، قررت إحالة ملف التحقيق حول أسباب انهيار مبنى المعامل الطبية بمستشفى الرباط الجامعي تحت الانشاء للسيد وزير العدل.
  2. لقد كان دافعي لهذا الطلب هو حرصي الشديد ان يكون التحقيق محايداً ونزيها وعادلا ليصل الى الحقائق كاملة حول اسباب انهيار المبنى تحت التشييد.
  3. بعد الاطلاع على نتائج التحقيق حول اسباب انهيار مبنى مجمع المعامل الطبية، والذي خلص الى وجود بعض القصور في أداء أجهزة الوزارة الهندسية في التصميم ومتابعة التنفيذ الفني والاداري، ومن واقع مسؤوليتي السياسية عن الاداء العام لاجهزة الوزارة فإنني اتحمل عنها المسؤولية السياسية في هذا الحدث بالذات، وأضع بين يديك اخي الرئيس طلب اعفائي من موقعي كوزير للداخلية.
  4. اخي السيد الرئيس، اضع هذا الطلب امامكم اليوم بعد رحلة عمل طويلة تحت قيادتكم الرشيدة، وثق اني ما زلت جنديا وفيا مخلصا للوطن وثورة الانقاذ الوطني ورهن اشارتك.
  5. لك السمع والطاعة في المنشط والمكره.
  6. جزاك الله خيرا كثيرا والله من وراء القصد.
اخوك:
اللواء ركن مهندس عبدالرحيم محمد حسين عبدالكريم
في اليوم الثامن من جمادى الاولى 1426هـ
الموافق 15 يونيو 2005م
صورة طبق الأصل
        بالنظر للشُبهة البائنة التي وردت في ختام تقرير مدير الشركة الهندسية منفذة المشروع، كان ينبغي أن يُقدِّم الوزير لمحاكمة يعضِّدها سقوط العمارة نفسه، التي أحاطت عناية الرحمن بنحو عشر عمال ونقيب شرطة (التيجاني محمد الطاهر) والحارس وابنه (12 سنة) نجوا جميعاً وانتشلوا من تحت الأنقاض..!! مهلاً يا عزيزي القارئ، فما زال في الكأس باقٍ من مرارة لنتجرَّعها معاً. أصدرت لجنة التحقيق برئاسة القاضي محمد فريد تقريرها الذي وردت فيه هذه العبارة التي برَّأت ساحة الوزير: «وبالتالي لم يثبت لنا أن وزير الداخلية قد أثرى ثراء حراماً رغم عدم التزام الوزارة بالإجراءات القانونية واللائحية للجوانب المالية والمحاسبية التي تكون المحاسبة في مخالفتها من سلطات وزير المالية.....الخ)... ثمَّ كان ختامها علقماً، إذ هُنيهة وأصدر المشير الذي رقى نفسه من قبل، قراراً بترقية اللواء إلى فريق، وقال قولته الشهيرة عن الفترة التي قضاها مستجماً في منزله: «إنها استراحة محارب» وليته ألحقها بقولٍ شنَّف به سمعنا أحد علماء السلاطين في حقبة مضت وقال: «هذا الفتي يذكرني بعُمَر بن الخطاب»!
  1. سادساً: اتصالاً مع ما سبق، لم يمنعنا المآل الذي آل إليه قوش من تخصيص حيِّز للبحث في سيرة صعوده وهبوطه، وذلك حتى يتسنى لنا الدخول في دهاليز سيرة القطب الذي كان يتبادل معه المعلومات، وهو المقدم محمد حسَّان بابكر ”شحم ألِّبل“، وهو من خلال سيرته الذاتية التي خطها بيراعه، قد يكون مغموراً لعموم القرَّاء، ولكن من المؤكد أنه ليس كذلك في أروقة جهاز الأمن، بدليل أنه وفقاً للوثائق المتبادلة كان عقد الواسطة بين رئيسه الفريق أول صلاح قوش وبين العُملاء والمتعاملين معه في الخارج على اختلاف أنشطتهم ومشاربهم واهتماماتهم. وقد اختار أو اختيرت له العاصمة الأثيوبية أديس أبابا لتكون مقراً لإقامته تحت ستار العمل الدبلوماسي كـ”قنصل“، وهي الوظيفة التي تغوَّلت عليها الأنظمة الديكتاتورية لتجيِّرها لصالح مصالحها. أما أديس أبابا نفسها فهي مدينة ضخمة، تصلح تماماً للعمل الاستخباري لعدة أسباب، منها: أنها تضم أكثر من مائة سفارة من دول العالم، وهي المقر الرئيس للاتحاد الأفريقي، إلى جانب فروع للمنظمات العاملة تحت مظلة الأمم المتحدة ومنظمات إقليمية ودولية كثيرة، فضلاً عن امتيازات أخرى غير مرئية يعرفها كل من امتهن مهنة ”البصاصة“ دون سواهم.
  2. سابعاً: من الأشياء التي زادت من دهشتي طبقاً للوثائق، هو افتقار رئيس الجهاز، الفريق أول صلاح قوش، وتابعه المقدم محمد حسَّان بابكر للحس الأمني، فكلاهما يتبادلان في أسرار ترتعش لها الأفئدة، بدون أي احتياطات معروفة، تلك التي يلجأ لها كل من امتلك تلك الخاصيَّة. قلتُ لنفسي: كيف يتركان أثراً ولا يجنحان نحو استخدام شفرات ورموز ”كودية“ Code name؟!  جاء ذلك في معرض تعليقي على استخدام الطرفين لاسميهما صراحة، أما الأخير فيبدو أنه كان مزهواً، فقد زاد عليها بذكر رتبته الأمنية ومقر إقامته، في الوقت الذي يخاطبان فيه الأطراف الأخرى بأسماء رمزية!! لكن الذي زاد من دهشتي بحق أنه بينما يبدو المقدم ”شحم ألبل“ متمكن بصورة نسبية من اللغة الإنجليزية، لم يفتح الله على الفريق قوش بحذقها بالرغم من ضرورتها لمن تسنم موقعاً كالذي كان يجلس على رأسه. وجاءت مكاتباته لأطراف لغتهم الإنجليزية غاية في الضعف والركاكة، لدرجة أنها تضمنت أخطاءً إملائية مخجلة، ناهيك عن الصياغة التي تتضاءل أمامها قدرات وإمكانات المبتدئين. وكنتُ قد سألت نفسي: بأي لغة تحدث قوش في ضاحية ”لانغلي“، أي مقر وكالة الاستخبارات الأمريكيةCentral Intelligence Agency  التي تبعد بنحو 15 كيلومتراً عن العاصمة واشنطن، والمعروفة اختصاراً بـ”CIA“ وهو خريج أشهر جامعات السودان؟!
  3. ثامناً: لابد وأن عيون القراء ستجحظ أمام أهم الوثائق التي يحتويها هذا الكتاب، ففي الوقت الذي أصبح فيه نظام العُصبة كاثوليكياً أكثر من البابا، على حدِّ تعبير الفرنجة في ما يخص القضية الفلسطينية، نكشف عن وثيقة تتحدث عن علاقة ومصالح متبادلة بين النظام ودولة الكيان الصهيوني الإسرائيلي!! الأمر الذي اضطرَّنا إلى إعادة قراءة كثير من المواقف وأحداث حدثت بين الطرفين، حاول النظام أن يظهر فيها بمظهر الضحيَّة، وخلصنا فيها إلى أن الفريق قوش، أو جهاز الأمن برُمَّته، كان على علم بالضربات الجويَّة في شرق السودان، والتي طالت قافلة تحمل أسلحة مهرَّبة لحركة حماس في قطاع غزة!
  4. تاسعاً: أيضاً من الوثائق التي ستزلزل الأرض تحت أقدام العُصبة ذوي البأس، وثيقة تتحدَّث عن علاقة مريبة بينهم وبين السيناتور القس جون دانفورث. والمعروف أن الأخير هو عرَّاب اتفاقية نيفاشا، أو المعروفة بـ”اتفاقية السلام الشامل“، والتي أفضت في نهايتها إلى انفصال الجنوب. كما أدَّت إلى تداعيات كثيرة مرئيَّة وغير مرئيَّة، وعليه نتوقع أن تثير هذه الوثيقة عاصفة بين الحزب الجمهوري الذي ينتمي له دانفورث، وبين الحزب الديمقراطي الحاكم حالياً. كذلك ثمة وثائق ستطيح برؤوس كثيرة قرباناً للحقيقة، إذ تتحدَّث عن علاقة مريبة بين أطراف ذات صلة بقضايا معينة وجهاز الأمن والاستخبارات، الأمر الذي نحسبه سيثير شهية الفضوليين للبحث عن ما وراء الأكمة!
  5. عاشراً: حريٌ بنا القول إننا عَمَدنا إلى نشر الوثائق المذكورة بحذافيرها، أي دون تدخُّل جراحي من قبلنا في الصياغة والأخطاء الإملائية والإنشائية المصاحبة حتى لا نُفسد قيمتها التوثيقيَّة. بِيْدَ أننا حاولنا مساعدة القارئ في فك طلاسمها، أي تذييلها بتعليقات من بنات أفكارنا، وهي تمثل اجتهادنا ووجهة نظرنا التي قد تخطئ وقد تصيب بقدرٍ سواء. علاوة على أننا استعرضنا أحداث أخرى في مسيرة العُصبة النضالية، أي في زيارة جديدة للتاريخ. ويأتي في طليعة ذلك ما سمَّيناه بـ”سنام الخطأ والخطايا“، أي قضية محاولة اغتيال الرئيس المصري المخلوع حسني مبارك في أديس أبابا، وذلك على إثر توفر معلومات مثيرة لنا، نَحْسَبُ أنه ستقشعر لها أبدان أصدقاء العُصبة قبل أعدائها. تلك قضية لا يُضعف من حيثياتها، أن المجني عليه أصبح خارج إطار السلطة، لأنها وفق ما يقوله فقهاء القانون الجنائي، لا تسقط بالتقادُم. وفي سياق الموبقات الجنائية هذه نكشف للمرَّة الأولى عن الأسباب التي أودت بحياة شاب برئ بتهمة شاء الجاني أن يجعلها غطاء في قصة لم تعرفها دهاليز الحكم والسياسة من قبل في السودان، بل ربما منذ أن خلق الله شعوبه وقبائله ليتعارفوا! وقدَّرنا أن الإشارة لهذه الجرائم متكاملة قد تعين الباحثين عن الإدانة في يوم يفر فيه المجرم من أمه وأبيه وحليفه الذي كان يأويه!
  6. حادي عشر: بالطبع نحن لا نمِنَّ على القُرَّاء الكرام، ولكن يجدُرُ بنا القول إن هذه الوثائق استهلكت منا زمناً ليس بالقليل، وبعضها أورثني من أمري عُسراً، ليس في سبيل التأكد من صِحتها، فهذا ما لا يمكن أن يتجادل فيه اثنان أو تنتطح حوله عنزان، إنما قصدنا أن نضع صوراً ضوئية للوثائق. أما الوقت الطويل الذي استغرقه العمل في تلك الوثائق، فقد قلنا إنه كان بغرض فك بعض طلاسمها وتقديم ما يُعين على تسهيل قراءتها. وفي هذا الصدد يمكن القول فيما ذكرنا بتواصل النفع من التقنية، والتي قلنا إنها أصبحت خير معين للبشرية في بلواها من الأنظمة الديكتاتورية. إذ التهبت خطوط الاتصالات بيننا وبين من نثق في إضافاتهم المفيدة، مستعينين بالأصدقاء والزملاء من المبعثرين في فضاءات الدياسبورا السودانية غُربةً وشتاتاً ومحنة.. كذلك أصابت الحمى البريد الإلكتروني الذي كادت أن تجأر خطوطه بالشكوى. واضعين في الاعتبار أن الحقائق في ثقافتنا السودانية حمَّالة أوجُه، مع الإقرار أيضاً بأنه لا يحق لأحد أن يدَّعي امتلاك الحقيقة المطلقة، لكن الأسرار في حياتنا دائماً ما تتناسل وتتكاثر وتتفرَّخ حتى يصبح لها أكثر من أب، بالرغم من أن أمها واحدة لا شريك لها!
  7. آخر النقاط:
لابد من الديمقراطية وإن طال السفر!!
ملحوظة بخصوص توزيع الكتاب وكتاب نون والألم بجزئيه، في الأماكن التالية:
السودان: دار عزة للنشر والتوزيع (ينتظر قرار الرقابة)
في أمريكيا يتواجد في الأماكن التالية بحوزة الأصدقاء الآتي اسماءهم في ولايات مختلفة:
منطقة واشنطن الكبرى
منتصر أبا صالح
تلفون: 202- 255-6444
Denever, Cl
Atif  Makkawi MusaTel:(720)329-8088
Denver, Cl
Hamaza Abu baker
Salah Alnasri
Louisville, KY 40241
Tel: (502) 664-8282
Abdelrahman Eldirais
1625 E.Logan Dr
Tempe, AZ 85282
( 602) 441- 8999  
Jamal Abuseif
Chandler, AZ 85224
Tel: (602)903-9629
Mohamed Yassin Khalifa
Brooklyn, NY 11208
Cell. (Mobile):             +1 (917) 674-9286      
Cell. (Mobile):             +1 (202) 812-4499    
Ayman Altai
Greensboro, NC 27408
Tel: (336)210-2168
Mustafa Eltiny
Shaker Heights, OH 44122
Tel: (216) 752- 1951
Hashim Elhag
Iowa City, IA 52240
Tel: (319) 594- 6990
Ahmed Alameer Alyas
Chicago, IL
Tel: (773) 616-5675
Fathi Aldaw
Wheaton, IL 60187
Tel: (630) 835- 8805
القاهرة
الموزع الرئيسي مكتبة جزيرة الورد/ شارع 26 يوليو/ خلف بنك فيصل الإسلامي
إلى جانب المكتبات الرئيسية/ مدبولي/ الشروق/ ألخ
بريطانيا (غضون أيام)
لندن/ أحمد كوريا
لندن/ أسامة عرمان
دينفر/ عبد الوهاب همت
تلفون/ 447-960-353256
442-921-328443
السعودية/الأمارات/سلطنة عمان (معارض الكتاب)

الجمعة، 9 مارس 2012

مدونة فتحــي الضــو: مبادرة من اتحاد الصحافيين السودانيين بالولايات الم...

مدونة فتحــي الضــو: مبادرة من اتحاد الصحافيين السودانيين بالولايات الم...: تحية طيبة هذه مبادرة يقوم بها اتحاد الصحافيين السودانيين بالولايات المتحدة الأمريكية لعموم الصحافيين السودانيين في الخارج  بهدف الالمام بفحو...

مبادرة من اتحاد الصحافيين السودانيين بالولايات المتحدة الأمريكي

تحية طيبة
هذه مبادرة يقوم بها اتحاد الصحافيين السودانيين بالولايات المتحدة الأمريكية
لعموم الصحافيين السودانيين في الخارج 
بهدف الالمام بفحواها أولاً ومن ثمّ تمريرها لمن يهمه الأمر ثانياً، خدمة لهذه التعبئة
وجزاكم الوطن كل خير

فتحي

يا أيها المبعثرون في فجاج الأرض، المتسامحون دونما خنوع، الغاضبون بلا شطط، الصابرون بلا مدد، الواقفون بلا عمد، المتكاثرون في أقطار العالم، غربة طوعية وهجرة قسرية ونفياً إجبارياً.. ومصيراً غير معلوم!
الزميلات والزملاء الكرام:
     نظراً للتطورات المتسارعة والتي أصبحت تُنبيء بتغيير وشيك في بنية السلطة الغاشمة ودولتها المهترئة، نخاطبكم في ظل هذه الظروف التاريخية الدقيقة التي يمر بها وطنٌ أغطش ليله وأكفهر ضحاه. وطنٌ ظلَّ وما إنفك يرزح تحت قبضة عصبة فاسدة ومُفسدة، لم تترك موبقة من الموبقات إلا واستنزلتها على البلاد والعباد بهمة من لا يخشى ربه في خلقه. فمنذ أن تسنمت الحُكم بتلك الكذبة البلقاء، شرعت تسوم المواطنين سوء العذاب، قتّلت الابناء الأبرياء في حروب مفتوحة على ثلاث جبهات وأخرى تنتظر، فتحت السجون والمعتقلات السرية لكل مناضل جهر بكلمة حق في وجه سلطانها الجائر. مارست الاعتقالات الفردية، وأهانت النساء بالجلد المهين، وانتهكت حرمة الجامعات، وعندما لم يروِ ذلك غليلها المتعطش للدماء، جنحت نحو اعتقالات جماعية كما حدث بالنسبة لطلاب جامعة الخرطوم في الأيام القليلة الماضية. وبمثلما يفعل الساديون حينما يسدرون في غيِّهم، تتجاهل السلطة الظالمة وبإصرار غريب اعتصام أهلنا المناصير - لأكثر من ثلاثة أشهر - وتغمض عينيها عن مطالبهم المشروعة وهم يفترشون الأرض ويلتحفون السماء، بل تصُم أذنيها حتى لا تسمع شكوى المسحوقين، جراء ضنك العيش وحياة الذل والهوان وإهدار الكرامة الإنسانية في البلاد قاطبةً!
الزميلات والزملاء الكرام:
     أيضاً تجيء كل هذه التطورات والسلطة القائمة، يقف على رأسها رئيس طعان ولعان ينضح لسانه بفاحش القول صباحاً ويرقص طرباً على أشلاء مواطنيه مساءً، تبلدت مشاعره وتجمدت احاسيسه فاصبح غير عابيء بوزر تاريخي في حق وطن انفصل ثلثه، ولا هيبة رئاسة أصبحت تطاردها سياط العدالة الدولية حتى إنزوى بريقها، ولا حقوق دولة كانت تتبختر خيلاءً بين الأمم فطأطأت رأسها بعد وصمها بالإرهاب تارة وبالفشل تارة أخرى. ولا مشاعر مواطنين تقزمت طموحاتهم فلم يبق منها ما يسد الرمق ويحفظ الكبرياء.
     وبعد أن جفّ الضرع ويبس الزرع، وقف الرئيس الضرورة بوجهٍ نُزع عنه الحياء، وأعلن على رؤوس الأشهاد انتهاء ما اسموه بفقه التمكين، أي السياسة التي استبدلت أهل الولاء بأهل الكفاءة في الخدمة المدنية، وتعلمون إنها لم تؤد إلى اضعافها فحسب، وإنما طالت قيم وضعضعت أخلاق وأفقرت مجتمع كانت حرائره يجعن ولا يأكلن بأثدائهن، ولكن اصبحت دار المايقوما في هذا العهد البغيض تقف شاهداً على (القليل) الذي يربو على الألف طفلٍ سنويٍ، أما (الكثير) الذي لا يعلمه سوى خالق النطفة بشراً سوياً، فغالباً ما يُصبح زاداً تنهشه الكلاب الضآلة. بعضه يتوسد التراب خيفةً، والبعض الآخر يُطمر في الصدور توجساً. ولعل  الأنكى وأمرْ بعد كل هذا الذي حدث، أن يطمح الرئيس المشير في أن ينسى الصابرون خطاياه ولا يحصبونه بحجرٍ!
الزميلات والزملاء الكرام:
     على الرغم من أن شرور النظام المتسلط على الرقاب، لم تترك بشراً ولا حجراً في السودان إلا وطالته بالأذى والغبن، إلا أن للأمر مضاعفاته التي كان وقعها على الصحافيين كما الحسام المُهند. تعلمون أن للديكتاتوريات جنود لا تفتر همتهم في تقديم خدماتهم مقابل حفنة من الدولارات وإمتيازات دنيوية. لهذا ليس غريباً أن يتفانى السيد محي الدين تيتاوي وصحبه الميامين في ما سُمي بـ (اتحاد الصحافيين السودانيين) في تقديم فروض الولاء والطاعة، بل عملوا بمثابرة يندى لها الجبين على تأييد كل خطوة تقوم بها السلطة الغاشمة في سبيل تكميم الأفواه وتشريد العاملين وتوقيف الصحف، وكذا الجناح الآخر المسمى بـ (مجلس الصحافة والمطبوعات) ويقف على رأسه السيد علي شمو وحوله شرذمة ولغت من موارد الأنظمة الشمولية، وقد جُبلوا على مساندتها ومثيلاتها على مر الأزمنة، وما زادوها إلا بطشاً ودموية!
لقد تفننت السلطة الظالمة في أساليبها المقيتة بشراء ولاءات رؤساء تحرير الصحف الصفراء وناشريها، فمنهم من جمع بين (الحسنيين) وأصبح من حملة الرتب الباطنية في جهاز الأمن والاستخبارات، ومنهم من اكتفى بعطايا الكواليس كلما تمددت كروشهم تمدد خزيهم وعارهم. وعندما تضيق ذرعاً بهامش الحريات يمحى الليل كلام النهار. وكما يفعل الحواة تخرج من جرابها ما تسميه بالرقابة القبيلة حيناً والبعدية حيناً آخر (وبين حانا ومانا ضاعت لحانا كما تقول العرب العاربة) فلم يكن أحد يعلم ما المقصود بهذه حتى يعرف تلك. وعندما يستنفد هذا وذاك أغراضه، تستخدم سياسة الاعلان (جذرة) والتوقيف (عصىً) وكلاهما واضح لمن ألقى النَفّس وهو زفير. ثم عشنا وشهدنا ما سمى راهناً برقابة الهاتف، وهي للذين لا يعلمون ويطمحوا لو يعلمون نقول إنها الإسلوب الذي عجزت حتى التقنية المتطورة عن شرحه. وخلاصة الأمر لم يبق بعدئذ سوى الرقابة في الأحلام. أي كأن ترى السلطة أنها ذبحت صحيفة في المنام ليلاً، فيأتيها كورال السدنة صباحاً ليقول لها بصوت جهور: أفعلي ما تؤمري وستجديننا إن شاء الله من الصابرين!
تأسيساً على كل هذه الواقع المرير، وانطلاقاً من مسؤوليتنا الوطنية، وإيماناً بأن انتظام الصحافيين والاعلاميين يعد بمثابة القدح المعلى في تصحيح الأوضاع. عليه نطرح عليكم مبادرة محدودة المعالم، واضحة الوسائل، جلية الغايات. وهي تتدرج ابتداءً من ضرورة تنظيم أنفسنا، مروراً بعلاقات ثنائية، وانتهاءً بكيان صحافي دولي يُعبّر عن همومنا المهنية وطموحاتنا الوطنية في النقاط الثلاثة التالية:
أولاً:  نهيب بكل الزميلات والزملاء ضرورة تنظيم أنفسهم، وذلك بانتخاب كيانات تنظيمية مستقرة، حيثما كانوا وأينما وجدوا بالطرق الديمقراطية المتعارف عليها، ونأمل أن يسفر هذا الإجراء عن انتخاب من يتحمل مسؤولية وطنية ناءت بحملها الجبال وتصدّعت صخورها.
ثانياً:  العمل على استنباط علاقات ثنائية (توأمات) بين التنظيمات أو الكيانات المختلفة. وهنا نود أن نقول إنه وبكل الفخر لنا أسوة حسنة في علاقة قائمة. أي التؤامة التي تمت بيننا وبين جمعية الصحافيين السودانيين بالمملكة العربية السعودية، إذ تعد ثاني اثنين من الكيانات المنتخبة ديمقراطياً في المهاجر والمنافي وديار الاغتراب، ولذا يطيب لنا في هذا المقام أن نشيد بلجنة وعضوية هذه الجمعية بصفة خاصة، ونعضد صمودهم في وجه الأعاصير التي حاكتها وظلت تحيكها لهم طيور الظلام، ولن تقعدنا ظروف حالت فيما سبق عن ضرورة تمتين أواصر التواصل ومد مظلة الرعاية لتشمل آخرين.
ثالثاً:  ضرورة تأسيس وانتخاب الاتحاد الدولي للصحافيين السودانيين في الخارج، وهو الغاية التي نتوسل طريقها بما ورد ذكره أعلاه حتى ينهض الاتحاد المعني، ويقوم بدوره التاريخي في التعبير عن قضايانا المهنية والوطنية، وأيضاً للتواصل مع الهيئات والتنظيمات الاقليمية والدولية المعنية بالبت في قضايا الصحافيين ومنظمات المجتمع المدني، ومن نافلة القول نحن نطمح أن ننجز هذه الخطوات لكي تنعكس إيجاباً على زملاء المهنة داخل السودان وخارجه بقدر سواء، وتكون ترياقاً لهم أمام صلف السلطة المتجبرة، فينكِّس راياتها ويكسر غرورها!
الزميلات والزملاء الكرام:
     ما أنبل الغاية وما أسهل الوسيلة لو عزمنا أمرنا، تعلمون إن التاريخ لن يرحم تكاسلنا ولن يبالي بتقاعسنا في ظل هذه الظروف المتسارعة، والتي تنبيء بتغيير وشيك في بنية الدولة التي أقامتها العصبة الحاكمة كما ذكرنا، وبالرغم من حتميتها لكن بالطبع ليس فينا من يرغب في حدوثها في ظل الضعف الذي يحاصرنا والتفكك الذي نعيشه، لأن ذلك من شأنه زيادة المخاطر على البلاد والعباد. في حين أن توحدنا يقللها إن لم نقل إنه سيصرفها تماماً ويحافظ على ما تبقى لنا من وطن.
     نحن نأمل أن تتم هذه الخطوات عملياً بأعجل ما تيسر، وذلك في الدول العربية والأفريقية والأسيوية وأوروبا وكندا وأستراليا وأمريكا الجنوبية، وحيثما كان هناك نفر من السودانيين في أي بقعة من بقاع الدنيا، ونؤكد أن مشوار الاتحاد الدولي، وإن كان حلماً إلا أنه لا مناص من أن يبدأ بخطوة تكوين الكيانات الفرعية.
     بيد أن يوماً ستفتح فيه الصحائف لن ينفع الذين ارتموا في أحضان الأنظمة الشمولية إزورارهم، ولن يجدي الذين باعوا أنفسهم للشيطان غفلاتهم، ولن يشفع للذين تفانوا في خدمة الديكتاتوريات توسلاتهم، فويل لأقلام صدئت وألسنة خرست وقلوب صُمّت.  
أيها الشرفاء... يريدون أن يطفأوا نور هذا الوطن ولكن خسئت أعمالهم وكبرت كلمة تخرج من أفواههم!
اتحاد الصحافيين السودانيين بالولايات المتحدة الأمريكية
8-3-2012
راسلونا على عنوان بريدنا الألكتروني التالي:
ونلفت الانتباه إلى أن هذا الموقع مؤمن تماماً.

الأربعاء، 25 يناير 2012

صدور كتابين للأستاذ فتحي الضو

الزملاء والأصدقاء والأحباب
يشرفنا أن نبلغكم بصدور كتابين لنا في القاهرة يعرضان حالياً ضمن معروضات الناشر مكتبة جزيرة الورد
وبعض المكتبات الكبرى مدبولي، الشروق، إلخ
الكتاب الأول بعنوان (الخندق/ أسرار دولة الفساد والاستبداد في السودان) أما الكتاب الثاني
فهو من جزأين أيضاً بعنوان (نون والأم/ المحظور والمنشور في الشأن السوداني)
مساهمة منكم في الترويج برجاء تمرير هذه الرسالة لقائمة مراسلاتكم
ولكم المودة والاحترام
فتحي

الخميس، 1 ديسمبر 2011

في وداع آخر الأنبياء السياسيين!


غيّب الموت الأسبوع الماضي الأستاذ التيجاني الطيب بابكر، وذلك عن عمر ناهز الخامسة والثمانين عاماً. سخَّر منها أكثر من ستين عاماً لحياة حافلة بالعطاء والتجرد ونكران الذات. وهي القيَم النبيلة التي لازمته حتى آخر لحظة قبيل أن تصعد روحه لبارئها. كان التيجاني قد نال نصيبه من الاعتقالات في سجون الأنظمة الديكتاتورية الثلاث التي تسلطت على رقاب الشعب السوداني. والذي قد لا يُدهش الذين يعرفونه عن كثب، أن السنوات التي قضاها في المعتقلات والاختفاء القسري، إلى جانب المنفى الاختياري في القاهرة التي جاءها هارباً في العام 1991م على ظهر جمل، قبل أن يعود للسودان مجدداً في العام 2005م قد غطت أكثر من نصف عمره السياسي. والمفارقة أن القاهرة تلك قد شهدت أول اعتقال له في سجن (الهايكتسيب) في مايو من العام 1948م وكان حينذاك يشغل موقع سكرتير اتحاد الطلبة السودانيين. ورافقه في السجن كلاً من عبده دهب، عبد الرحمن الوسيلة، محمد أحمد الرشيد، تيدي جيمس لاركن، والأخير هذا من جنوب السودان وكان يعمل موظفاً مع الإدارة البريطانية في قنال السويس، إلى جانب آخرين بدأوا الارتقاء في مدارج الشيوعية تحت مسماها المعروف بـ "الحركة الديمقراطية للتحرر الوطني" (حدتو) قبل أن تصبح "الحركة السودانية للتحرر الوطني" (حستو) ومن ثمَّ الحزب الشيوعي السوداني. والمفارقة أيضاً أنهم سُجنوا بسبب انحيازهم للقضية الفلسطينية، إذ تزامن ذلك مع الحرب العربية الإسرائيلية الأولى. والمثير في الأمر أن اعتقالهم تخلله إضراب عن الطعام، استمر لأكثر من عشرين يوماً. والتيجاني نفسه كان عمره آنذاك بضعاً وعشرين عاماً!

بمجرد مواراته الثرى هرع الكتاب والصحافيون والسياسيون للتعبير عن مشاعرهم في فقدٍ عظيمٍ. طفقوا يُعددون مآثره، ويُسطرون تاريخاً حافل بالدروس والعبر والمواقف المتميزة. ومن ضمن ما قرأت هزَّني موقف صدَّر به صديقنا الأستاذ أمير بابكر مقاله التأبيني (الأحداث 24/11/2011م) عن التيجاني. بيد أن ذاك الموقف والذي حدث في وقت مبكر من عمره، بل في مقتبل حياته، يمكن القول إنه يتسق تماماً وشخصية الراحل العظيم، بل جسَّد رؤاه وأفكاره ومواقفه السياسية، إلى جانب التزامه الصارم بقضيته وإيمانه الصمدي بوطنه وشعبه والإنسان بصورة عامة حيثما كان. فحياة التيجاني كانت أشبه بملحمة أسطورية، يحق للجيل الحالي والأجيال القادمة أن تلم بها وتتناقلها كأنقى ما تكون السِير وقصص الرواد المخلصين. ولعل مرافعته التي قدمها في محاكمته الشهيرة في نظام نميري، أو ما اصطلحنا على تسميته بالديكتاتورية الثانية، بعد إلقاء القبض عليه في العام 1981م بعد عشر سنوات من الاختفاء الذي حدث عقب ما أسماه الحزب الشيوعي في أدبياته بـ (أسبوع الآلام) في إشارة لموجة الإعدامات التي طالت قادته وعلى رأسهم الشهداء: عبد الخالق محجوب والشفيع أحمد الشيخ وجوزيف قرنق وهاشم العطا وبابكر النور وآخرون. تلك المرافعة تعد من أروع ما قيل في وجه جلاد أينما كان، ولذا لو أننا كنا نرفل في ظل نظام ديمقراطي، لطالبنا بأن تتضمن مناهج التعليم حتى يعلم الخلف كيف يمكن للمرء أن ينذر حياته لوطنه، ويكون على استعداد للتضحية من أجله وبينه وبين الموت بضع خطوات!

كتب أمير في مقاله المشار إليه: (كان والدي مكلفاً بالحفاظ على وترحيل الراحل عبد الخالق محجوب إلى أن يجتاز الحدود إلى مصر للحاق بمؤتمر للأحزاب الشيوعية في موسكو في النصف الأول من الستينيات، في وقت كانت تبحث عنه القوات الأمنية لمنعه من ذلك. تم الاتفاق على اجتيازه الحدود عن طريق البر وبواسطة عربة (لوري) والتنسيق هناك داخل الأراضي المصرية لاستقباله بواسطة آخرين. ظهر الأستاذ التيجاني فجأة في وادي حلفا وهو الرجل الثاني في الحزب الشيوعي السوداني، وكان في طريقه إلى مصر أيضاً في مهمة حزبية، ليجتمع مع عبد الخالق وصاحب العربة (اللوري) وهو عضو في الحزب الشيوعي ووالدي، الذي يعمل في وادي حلفا حينها، في المنزل حيث يختفي عبد الخالق. وكان الاجتماع حيث جلس الأربعة حول طاولة، لمتابعة الترتيبات النهائية لخطة السفر. شرح صاحب (اللوري) الموقف، وقال إن العربة لن تكون جاهزة في الموعد المحدد. كان ذلك يعني عدة أشياء فالذين سيستقبلون عبد الخالق في الجانب المصري لا يعرفون إلا هذا (اللوري) الذي يجب أن يصل في تاريخ ووقت محدد والوصول إلى نقطة محددة سلفاً. أي تغيير سيضطر الجميع إلى وضع ترتيبات جديدة في ظل تلك الظروف المعقدة.

ما أن سمع الراحل عبد الخالق هذا الأمر حتى نهض واقفاً وهو في حالة انفعال وهياج، بسبب الإخفاق في الترتيبات وأمسك بأوراق في الطاولة التي اجتمعوا حولها وقذف بها بشكل عبر عن فقدانه لأعصابه. حدث كل ذلك لمدة ثوانٍ، ليتحدث الأستاذ التيجاني في صرامة إلى عبد الخالق بقوله (إنك لا تصلح أن تكون سكرتيراً للحزب الشيوعي).. وأضاف: (إنني سأقدم تنويراً للجنة المركزية بما بدر منك وأطالبك باعتذار رسمي). فما كان من الزعيم عبد الخالق إلا أن وقف مرة أخرى قائلاً للتيجاني والآخرين: (إذا لم تفعل ذلك لن تكون شيوعياً، وأنا بدوري سأقدم اعتذاري الآن هنا وأمام اجتماع اللجنة المركزية وحتى في الجريدة الرسمية). انتهى الاقتباس في الرواية التي صاغها أمير في سياق مقاله المؤثر.

عرفت التيجاني في منتصف ثمانيات القرن الماضي، عندما زرت السودان للمرة الأولى بعد انتفاضة أبريل 1985م حينها قدمت من الكويت لإجراء حوارات صحافية مع عدد من قادة النشاط السياسي، وبالطبع كان من بينهم الأستاذ محمد إبراهيم نقد، ذلك للألق الذي صاحب اختفائه، ونظراً لتاريخ الحزب التليد في مقاومة ذلك النظام الديكتاتوري يومذاك. قصدت صحيفة الميدان الناطقة باسم الحزب الشيوعي مصحوباً برسالة شفهية من صديقي العزيز الدكتور مصطفى خوجلي. وكانت الصحيفة تقبع في دار متواضعة في شارع صغير متفرع من شارع الحرية. دخلتها حيث بدأت قصتي مع التيجاني، أو ذاك الشخص الصارم القسمات، والذي هالني بأنه يتحدث لزملائه بصوت جهور كأنه في خضم تظاهرة. سألته عن الأستاذ نقد بعد أن قدمت له نفسي، فلم يزحزح ذلك من الأمر شيئاً. جاوبني باختصار يبعث الضيق في النفس (أنتظره هنا يمكن يجي)!

كنت آنذاك طراً غريراً توهمت أن الحزب الشيوعي سيحتفي بي وسيفرش لي بساطاً أحمراً أتبختر فيه كيما أتفق، لكن تضاءلت أوهامي هذه عندما وجدت الحزب نفسه يبحث عن مغيث، صحيفة تقبع في دار متواضعة تتكون من غرفتين ربما ثلاثة بالكاد تسع شاغليها. وزاد من إحباطي أن الرجل الذي قالوا لي إنني سأجد عنه مقصدي، كان صارماً حد العجرفة كأنه يتأهب لمعركة محتملة. غادرت المكان وتوالى حضوري لأصطدم بذات الإجابة المختصرة مرة ومرتين وثلاث. خرجت في الأخيرة وأنا عازم بعدم العودة مرة أخرى. كانت المفاجأة أن التقي مصطفى خوجلي في بوابة الدار، وكان قد قدم للتو من الكويت أيضاً. أبديت له ضيقي وتبرمي فضحك ضحكته الودودة التي تمتص منك الغضب وإن تراكم جبالاً، ثمّ أمسك بيدي ودلفنا للدار مرة أخرى وقدمني للتيجاني، فلم أشعر بأن الأمر تغير في كبير شيء. اختصاراً لتفاصيل كثيرة ليست بذات أهمية، نلت مراميَّ، أما علاقتي بالتيجاني فقد بدأت تأخذ منحىً آخراً عند كل زيارة للوطن في ظل ديمقراطية وارفة أو هكذا نظن! لمست فيها ما خفي عني في شخصه، أو بالأحرى ما لا يمكن معرفته إلا بالاقتراب منه!

بيد أن علاقتي هذه اتّخذت مساراً آخر أكثر حميمة بعد وصوله القاهرة التي سبقتّه إليها بالدوافع نفسها. وفي مشهد لاحق سألته تفصيلاً عن رحلة هروبه تلك والتي وثقت لها وأشياء أخر في كتابي الأخير (سقوط الأقنعة) فلفت نظري بإجاباته المختصرة حول خواطره حولها، فقال لي: إنه لا يعرف عنها شيئاً غير جمال الصحراء، حيث الهدوء يعم المكان، والأرض منبسطة بلا نهاية، لا تسمع فيها سوى أزيز الرياح وهسيس الأبل. ثمّ بعد وصوله القاهرة قيضت لي الظروف أن نلتقي كثيراً. حيث سكنا متجاورين وبيننا صديقنا الودود محمد عبد الماجد، وهو بحكم عضويته في الحزب كان المسؤول عن ترتيب أموره. بدأت يومها تتشكل لي سيرته على نحو آخر بحكم المعايشة، كانت فيها العلاقة بعدئذ أشبه بنبتة صغيرة حرص كلانا على رعايتها بحنو بالغ.. كمن يخشوا أن تذروها ريح صرصر عاتية!

تلك كانت الفترة التي بدأ فيها النشاط السياسي والإعلامي المعارض في التشكل. واتساقاً مع همومه الإعلامية المعروفة، كان التيجاني حريصاً على أن تصدر صحيفة ناطقة بلسان الحال الذي كنا فيه غارقون. ذلك ما تحقق بعدئذ بصحيفة أسبوعية متواضعة يعجز (سيزيف) وصخرته عن حملها، وسميناها السودان وكانت بحجم (التابلويد) وأصبح التيجاني مشرفاً عليها. كنت محظوظاً بل غمرتني السعادة حينما شعرت بأنه كان يرمي إليّ بأعبائه عمداً في متابعتها مع زملاء كرام، وذلك نظراً للمهام السياسية التي تثاقلت عليه، وهو القادم لعاصمة ضخمة بكل ضيائها وضوضائها. فيها التقى التيجاني بعد طول غياب، رفاقاً باعدت بينه ديمقراطية التاريخ وديكتاتورية الجغرافيا، منهم السادة: خالد محي الدين، رفعت السعيد، حسين عبد الرزاق، فريدة وامينة النقاش، عبد العظيم أنيس وآخرون. كان يحدثني عنهم بود وألفة تذيب الصخر العصيا، يومها أدركت وأنا زعيم بحركاته وسكناته أنه أصبح أكثر ألفة ومودة، وفوق كل ذلك أكثر هماً وغماً من مستقبل لا ندري كنهه!

اتساقاً مع نهجه وتصالحه مع نفسه عاش التيجاني زاهداً في شقة متواضعة في القاهرة بمدينة نصر، ولكنها كانت كخلية نحل لا تخلو أبداً من الزائرين. وبحكم الجوار الجغرافي كنت أغشاه كثيراً ويغشاني لماماً بتواضعه الجم، وبين هذا وذاك بيننا الهاتف الذي لا ينقطع. في هذا الصدد لابد من ذكر ما لمسه غيري عنه، لا سيّما، في حياة الزهد والتجرد تلك. كان التيجاني يستغل المواصلات العامة، وكنت كثيراً ما أشعر بالشفقة عليه وهو في عمره السبعيني. والمفارقة أن لا يكتفي بذلك بل يصر على تصدير زهده هذا للآخرين، وبينهم من ليس في حاجة لذلك. مثل نصائحه لزواره حينما يغادرونه إلى وجهة أخرى، فيتبرع لهم بأرقام حافلات مدينة القاهرة التي يمكن أن تقلهم إلى حيث يريدون (طالما أنت ماشي نص البلد، يمكنك أن تستغل 500 أو 500 بِشرَطة من محطة رابعة العدوية القدامنا دي، وإذا إنت ماشي العباسية أحسن حاجة تأخذ 49 أو 18) وهذه هي أرقام مواصلات القاهرة التي كان يحفظها عن ظهر قلب، كمن يحفظ المرء أوراده عقب كل صلاة.. لقد عاش التيجاني في تلك المدينة الباهرة كما عاش أبا ذر في زهده!

في ذات مرة جئته زائراً ووجدت في باب العمارة التي يقطنها نفراً من الحرس الشرطي المصري، الذين أكثروا السؤال عن شخصي وأسباب زيارتي وأشياء من هذا القبيل. وعندما صعدت إليه في الطابق الرابع، قلت له مداعباً: يا أستاذ منتهى الأهميات، يعني بعد كده لازم نجيك بموعد وتفاصيله؟ شعرت أنه لم يبدِ ارتياحاً لملاحظتي الودودة، فقلت له الحكاية شنو؟ فقال لي: الأخوة المصريين كتَّر الله خيرهم، قالوا إننا مستهدفون ولذلك وضعوا هذه الحراسة لقيادات التجمع الوطني بعد تواتر أخبار عن اغتيالات محتملة. فقلت له غير آبه بما قال ومواصلاً دعابتي: طيب كويس. فبادرني بالقول: الكويس شنو؟ واستطرد، ده فائض عمالة ساكت. أسه الجماعة ديل مفروض نوفر ليهم إعاشة، ونحن ذاتنا في حاجة لمن يعيشنا. عجبت لمن كان ذلك همه الذي علا على هم اغتياله، وعلمت فيما بعد أن بعض إخوتنا في الكيان نفسه - غفر الله لهم - ممن حباهم الأخوة المصريين بذات المزية، صاروا يدعون معارفهم بإصرار، ليس حباً في طلعتهم البهية، ولكن من أجل أن يروا النعيم الذي فيه يرفلون!

بما أن الشيء بالشيء يذكر فثمة قصة لابد وأن تُروى في السياق نفسه؟ إذ حكى لي قصة مثيرة لا أعتقد أنه حكاها بذات الأريحية لآخرين لا يعلمونها. قال لي: لو صح موضوع الاغتيالات هذه، سترتكب هذه الجماعة خطأ لن ينمحي أبد الدهر. ثمَّ مضى في القصة الشيقة أو الشائقة – سيان - فقال: ذات يوم في الحقبة الديمقراطية الأخيرة، ألقى شباب الحزب القبض على شخص كان يتربص بي ووجدوا بحوزته سكينا (مدية) بُغية اغتيالي. وعندما تمَّ استجوابه، أخبرهم بأنه مكلف من الحزب الغريم أي الجبهة الإسلامية، وسمى لمعتقليه الذين كلفوه بتلك المهمة المقدسة (لكن تيجاني رفض رفضاً بتاتاً أن يذكر لي أسماءهم) وقال لي: من خلال التحقيق اتّضح أن الرجل مأجور مقابل حفنة من المال وُعد بها، فأطلقنا سراحه ولم تصل القضية للأجهزة الشرطية خشية زعزعة النظام الديمقراطي. عند هذا الحد كنت أظن أن القضية انتهت. فباغتني التيجاني بقوله: الأسبوع الماضي قابلت نفس الرجل بعد سنوات، وأنا أتأهب لدخول محطة الميترو في ميدان التحرير! فبُهتُ، وعالجتهُ بسؤال سريع: طيب وحصل شنو؟ فقال لي بطريقته المعهودة في تبسيط الأشياء، حصل شنو، سلمنا على بعض وكل زول مشى في حاله!

من المواقف الطريفة التي استذكرتها، حدث ذات مرة أن زرته في منزله وكان يجلس وحيداً حيث أن زوجه الأخت الفاضلة فتحية كانت في زيارة للسودان. فتح لي باب الشقة بعد فترة طويلة، واعتذر ضاحكاً بأنه كان في الحمام. ثمّ تبع ذلك بتساؤل فلسفي: يا أخي هل من الضروري إنو الزول يحلق ذقنه كل يوم؟ وواصل.. تصوّر أنا وقفت قدام المرآة وخطر ببالي أنني أمارس هذه العادة لأكثر من خمسين سنة دون أن أترك يوماً واحداً، اللهم إلاَّ في ظروف قاهرة. فقلت له مداعباً: غايتو لو ما حلقتها الناس ما حتفرق بينك وبين الجماعة. وقبل أن يجيبني بشيء سردت له حواراً دار بين الصديقين الراحلين: علي عبد القيوم ويونس الدسوقي، وهما من جمعت بينهما علاقة حميمة. إذ قال الثاني للأول: بعد أن شكا من تلك العادة اليومية، إيه رأيك يا علي الواحد لو أطلق لحيته بعد هذا العمر؟  فقال له الثاني بدعابته اللطيفة: يعني حيحصل شنو، غير ما إنك حتَرَيِّل فيها. فضحك الرجل الموسوعة أو عم يونس كما كنا نحب أن نناديه، وقال له: يعني كارل ماركس كان بِرَيِّل فيها. فضحك التيجاني كما لم يضحك من قبل، وسرت بيننا روح الفكاهة!

عندما انتقلت للعاصمة الإريترية أسمرا، قيضت الظروف أيضاً لأعضاء التجمع الوطني الديمقراطي مقراً فصاروا يتوافدون عليها. كان التيجاني حريصاً كلما زارها بتواتر لحضور اجتماعات هيئة القيادة على الاتصال بي بمجرد وصوله، وتوطدت العلاقة بينه وبين زوجتي الفقيدة الراحلة وداد صديق. فكان يلزمها بما يسميه (تعليمات) محددة في مأكله ومشربه، ونقضي بعدئذ وقتاً طيباً. والحديث يطول ولكن ما استذكره دوماً في تلك اللقاءات أن التيجاني كان يعاملني فيه بأريحية كأنني عضو في حزب لم أنتم له أصلاً، وليس بيننا سوى تلك الوشائج الأزلية التي تربط بين الديمقراطيين بصورة عامة. مؤخراً التقيته في السودان ولم أشعر بتغيير في شخصه سوى إحساس مقاتل غير البندقية من الكتف اليمين للكتف اليسار أو العكس. لكن صفوة قولي أنني تعلمت من التيجاني فوق ما ذكرت.. كيف يمكنك أن تخالف الناس في الرأي، بشرط ألا تبغضهم. فهل علمت العُصبة ذوي البأس الدرس كما علمّنا!!



آخر الكلام:
لابد من الديمقراطية وإن طال السفر!